كارامازوف في سدة الحكم...

Published in عمرو جمال
الخميس, 05 أيار 2016 23:10

أثاث مكتبي ذو طابع حكومي رديء يحتل المساحة المحدودة للغرفة..
صورة شخصية كبيرة دون أطار خارجي تم تذيليها بتوقيع لشعار أنتخابي مُستهلك ترتكز فوق المنضدة الرخامية..
تجاورها مكتبة خشبية عتيقة الطراز تكتظ رفوفها بكتب القانون المترجمة للعربية وقد أكتساها غبار النسيان...

من الخارج , زجاج النافذة يعكس قبة المبني الكبيرة التي تشابه قبة " الرايخستاج" ....
سامحاً في الوقت نفسه بمرور أشعة شمس أحد أيام الأحاد وقت الظهيرة الي داخل المكان...

تستطيع سماع صدي ضحكات الحضور في الأستوديو الذي تنقل أحداثه شاشة صغيرة تتوسط أكبر جدران الغرفة...
محاولة خفض شدة الصوت عن طريق جهاز التحكم فوق مقعده الوثير من خلف مكتبه تبدو أكثر الخطوات منطقية..

أطلالة "جون أوليفر" بوجه ساخر معتاد في برنامجه الشهير "Last Week Tonight" ليست هي أكثر ما يلفت أنتباهه..
وأنما هو الظمأ  المعتاد الي عقد الصلات بينه وبين أقرانه..

المرشح الجمهوري الأكثر حظاً  في الأنتخابات الأمريكية تظهر صورته للتو فتضع كامل حواسه في حالة تأهب قصوي..
"دونالد ترامب" يبدو حينها في نفس المأزق الذي عاصره هو بنفسه أمام "جون أوليفر" أخر مشابه منذ ثلاثة أعوام خلت..
ليس فقط الشعر الفضي الكثيف و قسمات الوجوه المثيرة لعدم الأرتياح هما أهم ما يتشاركانه..
بل هو الأنتماء المشترك لطائفة من المرضي تقدمها الأسطورة اليونانية " نارسيس"..
 
"ترامب" العضو المنتظم في الحزب الديموقراطي المؤيد للقضايا الليبرالية في الثمانينيات قد أصبح اليوم هو ذاته اليميني المتطرف في قوائم الحزب الجمهوري رغبة في غفوة مستقبلية طال أنتظارها داخل غرفة "لينكولن"...
بينما هو نفسه في مسار مشابه كان قد خلع رداءه الأحمر عابراً لضفة النهر الأخري بقناع زائف أبيض في بداية التسعينات..
ليجد نفسه في سدة الحكم في نصف العقد الأول من القرن الجديد...
كلاهما قد أستبدل عباءه الثمانينيات طمعاً في سلطة بدت أكثر أحتمالاً علي الجانب الأخر من النهر...
فكم هو حقاً هوس السلطة لقادر علي أعادة تشكيل النرجسيين أمثاله...

الكثير من الحقد و الحسد يخالط  نظرات الأعجاب و الأنبهار تجاه صور "ترامب" التي لا تنفك تظهر علي الشاشة مع كل هجوم ساخر جديد يشنه المذيع البريطاني الشهير علي المرشح الجمهوري الأبرز..
فبينما يشاهد أقتراب الأمريكي العجوز من قمة السلطة في بلاده , أضطر هو عاجزاً التخلي عن مشروع مشابه و الأكتفاء بمقعد برلماني و رئاسة النادي الأبرز في تاريخ القارة السوداء...

دوماً ما كانت رئاسة أندية كرة القدم الجماهيرية هي باب خلفي يلجأ أليه النرجسيين المضطربين عقلياً...
أضحت هي الملجأ لممارسة أكبر قدر ممكن من التسلط..
السبيل لقفزات محتملة أكثر جموحاً ...

قفزات خطط للقيام بها فوق سفح هرم شامخ لم يكترث هو يوماً لميثولوجيا كيانه..
يجهل بكل ما قد تحمله ذاكره أي مشجع يملك من العمر نفس ما يمتلكه هو...
لم تفرز عروقه الأدرينالين يوماً  في أي لحظة مهمة كان شاهداً عليها من تلك التي أرتبطت بتاريخ ناديهم...
لا يستطيع عقله تكوين "جلاكتيكوس" تخيلي يضم أحد عشر أسماً قد حملوا الشعار يوماً علي صدورهم..

الشغف و الفضول للأستماع لعزف منتظر لموسيقي" God Save the Queen " هما فقط ما دفعوه لمشاهدة المباراة الودية التاريخية حينها التي أنتهت بفوز أبيض بخمسة أهداف من خلف ظهر "بوبي مور" بطل العالم وقتها قبل أربعة أشهر فقط 1966...


دوماً ما أصابه العجز الكامل عن رواية أحداث "الريمونتادا" الأشهر في تاريخ القارة وسط الثمانينيات التي أطاحت بفريق كان يضم نصف دستة من محاربي الصحراء قاهري المانيا الغربية في أسبانيا 1982...

فقط مشروعه المستقبلي وقتها كان ولا يزال هو كل ما يربطه بهم...
ليحفظ عن ظهر قلب القائمة الكاملة لمن حملوا الشعلة بعد مؤسس بلجيكي يعجز كالبقية عن نطق أسمه...

شعلة كان قد قدم في سبيل حملها القرابين علي كل الموائد..
يتذكر السقوط يوماً من هول الصدمة و الرعب بين أيدي الجنود القادمين بأوامر من سلاطينه لألقاءه خلف القضبان..
قبل الفرار من الموت شنقاً بمحاكمة صورية تركته حراً ليواجه بعدها عقاب نفسي لا مناص منه مشابه لما واجهه "راسكولينيكوف" علي صفحات "الجريمة والعقاب"...

يعود لحظياً لأنتباهه بأحاديث "ترامب" المسجلة التي تنقلها شاشته الصغيرة...
أفكار كمنع المسلمين من دخول أميركا و عزل المكسيكيين بجدار عازل قبل نعتهم بالمغتصبين تبدو كلها أفكار متسقة تماماً مع ما يؤمن به هو نفسه أيضاً...
فقط لم يمتلك بعد من السلطة ما يكفي لتنفيذ خطط مماثلة...
و أن مكنه تواجد أسمه في قائمة رئاسة النادي الأعظم في القارة من مزاولة الكثير من ما لا تستطيع نفسه بجمحه...

الكثير كأصراره علي وجود رجاله و جواسيسه في كل جهاز تدريبي فقط بغية ممارسة مزيد من التسلط ليقوموا بدور "تانتوس" الجواد الخاص بالأمبراطور "كاليجولا" عندما قرر فرضه كـ "عضو" جديد في مجلس شيوخ روما..

أمتلك بحكم منصبه فرصة الدخول في صراع موسمي لكسر الرقم القياسي لموسوعة "جينيس" لعدد مرات الأطاحة بمدربين لفريق في موسم واحد..
صراع  لا يهدف سوي للظهور في صورة الـ "بريزيدنتي" المجنون الذي لا يأبه لأحد قط كما تصور صفحات "لاجازيتا " مالك نادي "باليرمو" مع كل أقالة جديدة لمدربين فريقه..

الهوس المرضي بدائرة ضوء الشأن العام الي الحد الذي قد يضعه في مرتبه واحدة مع "لوتشيانو جاوتشي" مالك "بيروجيا" الأيطالي سابقاً الذي يعيش حالياً حياة الهارب تحت شمس جزر الدومينيكان....
 قيام "جاوتشي" يوماً بضم "الساعدي القذافي" كلاعب محترف لناديه يبدو ليس بالأمر الكبير عندما تقارنه بخروجه علانية معلناً  أن الكوري "أهن يونج هوان" لن يلعب مجدداً لفريقه عقاباً له علي أحراج المنتخب الأيطالي و أجباره علي مغادرة كأس العالم 2002..


القدرة علي أمتلاك ما يكفي من الحماقة للأطاحة بأفضل مدرب حظي به الفريق المُتوج لتوه بثنائية محلية غابت لما يقرب من ثلاثة عقود...
فعوضاً عن وضع أغصان الغار كأكليل علي رأس بطل "الدوبليتا" تدفعه الغيرة دفعاً لا سبيل لمقاومته للتخطيط لعزله في أقرب فرصة...
هي الدوافع ذاتها التي أمتلكها الديكتاتور البرتغالي "أنطونيو سالازار" في الستينات عندما دفع أدارة بنفيكا للتخلي عن أسطورتهم التدريبية التي أنجبتها "بودابست" ليسقط  الصقور منذ حينها وحتي الأن في ظلام ما عُرف بمئة عام من "لعنة جوتمان"...

المشاركة بالتحريض المباشر في أرتكاب مجزرة "هيلسبروه" أخري جديدة ضد جمهور قد أحتشد لحضور مباراته الأولي بعد غياب ليجد بنادق الموت في أنتظاره وتحصد منه عشرين روحاً فاضت الي بارئها...
و كمصير المسيحيين في حريق روما الكبير بأوامر من المحرض والفاعل الأصلي الأمبراطور "نيرون" يتم ألصاق التهمة بمجموعة مشجعين ليكونوا كبش الفداء للتغطية علي جريمة كاملة...

للحظات يحاول طرد فكرة كونه الرئيس الذي سيلاحقه العار لعقود قادمة...
قبل الأستسلام أمام حقيقة تواجده كجرافيتي أسود علي جدران تحمل كلمات الأتهام بلون الدم الذي قام بسفكه من حول حدود ملعب الموت..

هو نفسه من أعتاد الظهور يومياً كثور هائج أمام الشاشات قبل الأنهيار جثة هامدة في كل ليلة حملت كابوساً لقصاص مُحتمل...
وحده " كارافاجيو" قد يستطيع وصف ما يراه في ليالي كتلك وهو في هيئة القائد "هولوفيرنس" تحت نصل سيف "جوديث" الأرملة ذات الرداء الأبيض..

caravaggio judith

ينازعه في كل صباح رغبة في أهالة التراب دون خجل أو مواربة علي كل ما يتبقي من رمزية خاصة يحفل بها نادي قد تكون من حول ألهامه وطن...
رمزية يقاتل دون كلل أو ملل في سبيل تشويه معالمها أملاً في أن يقترب خطوات من فرض أي شيء من المنطق لفكرة أرتباط أسمه بحضارة هكذا كيان..

هو أرتباط بين متناقضين لا تتخيل ألتقائهم ,يفصل بينهم فراسخ لا تنتهي , تقاطعت بهم السبل في نقطة فسرها "دوستوفيسكي" في روايته الأشهر..
نجاح "فيودور كارامازوف" في الظفر بزيجته الأولي من سيدة المجتمع الراقية كان فقط لرغبتها في تقمص شخصية "أوفيليا" بطلة شكسبير...

يقطع حبل أفكاره تصفيق الحضور لأخر تعليقات "جون أوليفر" و أقتراب البرنامج من نهايته..
يتجه ببصره الي النافذة ليجد في نهاية الأفق نقاط صغيرة تمثل ثلاثة أشخاص يرتدون قمصان رياضية بيضاء اللون يزين نصفها العلوي خطين متوازيين من اللون الأحمر..

لم يدرك حينها أن أنتظارهم الحافلة المتجهه قرب مكان أقامة أحدي مباريات ناديهم القارية ليس هو وحده ما يشغل عقولهم..
يمتلك كل منهم نحوه مشاعر و أفكار و نوايا تكاد تتماثل فيما بينهم..

لديهم تجاهه أحساس متجدد بالعار كالذي يلاحق كل مشجع لـ "ستيوا بوخارست" وقت عزف موسيقي نشيد الشامبيونز في مبارياته القارية لمجرد أن نوستالجيا المجد الأوربي في الثمانينيات أرتبطت بدعم الديكتاتور "تشاوتشيسكو" و أبنه "فالانتين"..

تشاركوا أطلاق اللعنات نحوه مع كل أقالة طائشة  لمدربيهم كتلك اللعنات التي يطلقها كل عاشق لـ "بنفيكا" تجاه "أنطونيو سالازار" مع كل خسارة جديدة معتادة لنهائي أوربي رغم أن دعم أستبداد نظامه هو ما تسبب في رصيد الذهب القاري بداية الستينات...

تجرعوا سوياً مرارة سماع أتهامات حمراء تشبه تلك التي يكيلها الباسكيين و الكتلان في وجه كل مدريدي لما خلفه أرث الجنرال "فرانشيسكو فرانكو" علي مدار سنوات حكمه...

قد يكون حمل نفسي كهذا بيسير علي الجميع ولكن ليس لمن هم كهؤلاء..
كل من حمل علي قلبه يوماً شعاراً كالذي يزين قمصانهم يشاركهم الأمر ذاته..

أمتلاك ما هو أقرب الي الزهو بتباين أراء كل منهم تجاه كل ما يخص كيانهم المشترك الأكبر..
كيان أمدهم برصيد كافي من الشيفونية يعطيهم القدرة في النظر للأخرين بنظره أستعلائية لها ما يبررها..
حسابات الفوز و الخسارة لن تقلل من أحساسك بالدونية  أمام رقي و أناقة حضورهم الأخاذ الطاغي...
ربما ليسوا الأوفر حظاً من الذهب, من الجائز أنهم الأقل أمتلاكاً للقوة , وحتماً ليسوا الأكثر عدداً..
لكن لديهم أحساس يقيني بتفوق أخلاقي و طبقي يتطور تلقائياً الي ما يشبه العجرفة...
عجرفة يدعمها أيمان راسخ بأن العالم سيسير في النهاية خلف فلسفتهم الخاصة...

فلسفة الأنتماء أليه أشبه بقرار فردي بالبعث من وسط الحطام بعد رحلة أنتحار جماعية..


رفع شعاره كالجهر بأنضمامك لصفوف التنويريين في عصر يشتد فيه خطر الأتهام بالهرطقة داخل مجتمع يتكون من أعتي الراديكاليين...

عقيدة أختياره هي تبدو كالأنجذاب اللاأرادي لهمس خافت من موسيقي "بيتهوفن" يتم عزفه في حضرة ضجيج صاخب من أغاني شعبية فوضوية..

النظرة الأولي من الخارج لها أثر أنبهار الأعين بألوان لوحة زيتية لـ "رامبرانت" معلقة في ركن مُهمل من متحف تم تخصيصه  لللوحات الرمادية دون غيرها..

لحظة أدراكك لقيمة أختياره تماثل ملمس الأيدي وسط ظلام عاتم لأحد تماثيل "مايكل أنجلو" مدفون وحيداً بجانب المئات من منحوتات بوذية قبيحة...

محاولة توصيف كيف تبدو هي صورة الحياة من وراء أسواره لمن يقبعون خارج عالمه لهي أكثر تعقيداً من أضاحة كل صورة رمزية داخل الكوميديا الألهية الخاصة بـ "دانتي أليجري"..


حياة فوق أرض لم تناسب معتقداتهم يوماً ليتخذوه حينها رفيقاً وقد تخيلوه من لحم و دم ليكون سلواهم الوحيد..
فكرة فراقه أو خسارته تهمس في ضلوع القلب حتي تسحقه..
فنحن نرتبط دوماً بالأشياء ليس لما تمثله..
بل لما تعنيه..

هو أرتباط روحي حُكم عليه بالأبدية لتفسيره فقط تحتاج الي المخرج "روبرت زيميكس" بجانب "توم هانكس" و بحوذته كرة بيضاء يميزها خطوط من اللون الأحمر ...

يعود ببصره وأفكاره الي داخل غرفة مكتبه بمجرد وصول الحافلة التي تقل المشجعين الثلاثة ...
تجد أبتسامة باهتة طريقها الي ملامح وجهه عند أدراكه لحقيقة كونهم يمثلون جزء من ملايين أخريين تحت رحمة أفعاله ...
أرقام و أحصائات الرأي الأخيرة حول شعبية "دونالد ترامب" التي تظهر علي الشاشة أضافت أليه المزيد من ثقته بأستمرار حصاره ...
حاملاً من اليقين ما يكفي ليعلم أن الغد ما هو ألا يوم جديد سيمضيه في سدة الحكم ...





عمرو جمال

المباريات المقبلة

zamalek.tv

Connet With Us

اتصل بنا

Tel: 00201001230617

Email: عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

Website: http://www.zamalek.tv

 

Our Sponsors