افريقيا 1993 : خلود الجنرال على ضفة النهر الاخرى

Published in مروان قطب
الإثنين, 17 تشرين1/أكتوير 2016 11:49

محافظا على عادته الثابتة منذ ايام العسكرية في الاستيقاظ المبكر ، يجلس لتناول الافطار كهدنة بانتظار ان تصل صحف اليوم لمطالعتها مع سيجارة الصباح الاثيرة ، صيف العام 1993 لم يكن المفضل بالنسبة للرجل قصير القامة الذي اقترب الشعر الابيض من احتلال راسه بنفس الطريقة التي احتل بها لاعبوه بقمصان خضراء منتصف ملعب هولندا في ليلة عدالة السماء الشهيرة، كان على بعد لمسة من الخلود مع نفس القمصان الخضراء التي قرر احد مرتديها في يوم غائم على ملعب جيرلاند ان ينحني للكرة ليلعبها بالرأس بدلا من ان يضعها كأي طفل في فناء مدرسة ابتدائية بقدمه في الشباك ، محولا احلام الرجل المستند على قائم دكة البدلاء في الخلودالكروي الى مئات من السجائر التي احترقت معها رئتاه بينما يفكر في الرحلة لمونديال ارض الاحلام التي حرم منها بحجر ملقى من المدرجات وبلعبة غرائبية لا تتكرر الا في برنامج المقالب ، جرس الهاتف الذي يخترق صمته بينما يطالع عنوان صفحة الرياضة المنتشي فيما يبدو بفوز احمر كبير في ديربي القاهرة يحمل صوتا مألوفا يعرض عليه امرا لم يكن مألوفا ابدا ، حمادة امام على الطرف الاخر من الهاتف يطلب منه ان يعبر الى الضفة الاخرى من النهر ، ومهلة التفكير يحييها ابطال ليلة القميص الاخضر في باليرمو اسماعيل ويكن ورمزي باتصالات التشجيع على لم الشمل ، يفكر في ان الخلود قد يأتي من مكان اخر ، وانه لايزال صغيرا على ان يلزم منزله لكتابة المذكرات كما فعل سيمون بوليفار الذي اكتشف في متاهته التي اصبحت عنوانا لرواية جارسيا ماركيز ان اليأس هو الصحة للخاسرين....

كان كل شيء في ملعب زامورا الممتليء بالجماهير التي لم تستقبل مدربا بهذه الحماسة المندهشة من قبل يوحى له بان نجاحا واحدا باللون الابيض سينقله الى مربع جديد لم يصل اليه من قبل احد على هذه الارض ، وامامه على عشب الملعب مايبدو وانه كاف لرحلة جديدة ، بدءا من ثنائي حراسة اكتشف هو بنفسه احدهما وقدمه للمنتخب قبل ان يحجز مكانا في الزمالك ، مرورا بدفاع يضم تلميذيه رمزي ويكن وان غابت عنه لمسة اشرف قاسم المخملية ، وسط ملعب يعرف قبل ان ياتي من تجربته في حصار رود خوليت ان مفاتحه في يد اسماعيل يوسف ونهاية بخط هجوم يضم كل مايمكن ان تتمناه في لاعب متجسدا في هيئة ايمانويل امونيكي ، والى جانبه مهاجم يسجل احيانا ويصوم احيانا، لكنه لايزال يعيش تحت وطأة قميص جمال عبد الحميد الذي لايجد من يرتديه في غرفة الملابس

الزمالك كان قد مضى قبل وصول محمود الجوهري مبادرا لاستعادة الوصال مع كأس افريقيا الغائبة منذ سبع سنوات بفوز في تنزانيا بهدف للفلسطيني صاحب الشارب السبعينياتي مصطفى نجم على ماليندي الذي سافر للقاهرة بيأس واضح من التعويض كافأهم عليه نجم بهدف اخر من ضمن رباعية حضرت خلالها رأسيتان لحسين عبد اللطيف و نبيل محمود ، بالاضافة الى مختصر مفيد يشرح فيه ايمانويل امونيكي هويته كلاعب من خلال هدف من هجمة مرتدة





لم يكن ايمن منصور يدرك وهو يحتفل بهدف تقليص الفارق على المرمى الايمن ملعب البنك الوطني بجوهانسبرج العائدة للتو من انياب التمييز العنصري انه سيعود لاحقا لهذا الملعب ليحصل على مشهد حياته بركلة على نفس المرمى ، كلها هذا لم يكن ليكون سوى بفضل هذا الهدف الذي قلص به فوز صاحب الارض الكايزر تشيفز الى نتيجة يعوضها هو بنفسه ليلة عيد الاضحى عندما التقت رأسه بعرضية اسماعيل يوسف التي فيها كل ما ابهره به شقيقه ابراهيم منذ كانوا اطفالا





شيء من الشك في قدرة الفريق على حمل ارث جيل الثمانينيات في افريقيا بدأ في التسرب بعد مباراة ظنها المتابعون اسهل مما كانت عليه امام كايزر تشيفز ، لكن ليلة صيفية اخرى على ملعب المقاولون العرب بددت الكثير من الهمهمات ، تلك الليلة الصيفية التي ارتدى فيها خالد الغندور قميصا باللون الاخضر ليحول جبهة الزمالك اليسرى الى نفق لايعرف زحام القاهرة اقتحم منه دفاعات مولودية وهران الجزائري ليصنع الهدف الثاني لايمانويل ثم الثالث لعت نصار بانطلاقات بدا فيها اشبه باحد الشخصيات لعبة "سوبر ماريو" التي تجمع بين قصر القامة و السرعة والحركات الاستعراضية ، رباعية الزمالك التي يكملها "بندق" بنفسه بضربة جزاء في الشوط الثاني حملت من الابهار ما ذهب تقريبا بحنجرة حمادة امام معلقا على اللقاء ، مثلما رسمت لدى طفل في الخامسة يشاهد تلك النشوة على وجه الاب والجد مع كل هدف صورة لما ستكون عليه حياته في وقت لاحق





بلون الجوهري المفضل يعود الزمالك الى مشهد المربع الذهبي بعد ان كان قد انهى مهمة المولودية في مهد موسيقى الراي بتعادل بهدف قرر ان يختر وليد معاذ ليحصل على ذكرى وحيدة مع الكرة ليضرب موعدا في الجبل الاخضر مع ستيشنري ستورز النيجيري الذي كان قد اخرج حامل اللقب الوداد المغربي من ربع النهائي ، بدا مع افتتاح ايمن منصور للتهديف ان كل الظروف كانت مهيأة لتكرار رباعية مولودية بنفس الالوان على نفس الملعب ، لكن هدف التعادل يعيد الامور للمربع صفر ويمنح الضيف الافريقي مايحتاجه من الامل للقاء العودة رغم ان الزمالك انهى المباراة لصالحه بهدف للغندور من ركلة جزاء واخر لايمن منصور ، في نيجيريا التي اتى منها الزمالك بلقبه الاول يقف الجوهري حائرا بينما يشاهد اصحاب الارض يحتفلون بهدف جعلهم على بعد هدف من النهائي ، يدرك انه الان وبعد ركلة الجزاء الثانية التي يحتسبها الحكم على الزمالك بحاجة الى شيء من عدالة السماء التي انصفته في باليرمو وادارت له ظهرها في في ليون ، لتظهر له متمثلة في اكتشافه الاول نادر السيد الذي يتصدى للكرة ويبقى النتيجة على ماهي عليه حتى النهاية محافظا على الحلم الابيض على قيد الحياة





على الطائرة المتجهة الى كوماسي حيث عادالجوهري بلقبه الافريقي الوحيد كمدرب قبل مايزيد عن عشر سنوات ، كان يحاول ان يشرح للاعبيه ما اخبره ماركيز على لسان سيمون بوليفار في "الجنرال في متاهته" عن كون الحياة قد منحته اسبابا كافية لليقين بان لا هزيمة يمكنها ان تكون الاخيرة ، اسم كوماسي ظل كجثة قتيل مجهولة الهوية مدفونة في اذهان من عاصر خماسية العام 1988 ومن اتى للزمالك بعد توابعها الى حد لم يكن هناك مفر من الدفاع على الطريقة التي يفضلها الجنرال امام كوتوكو الذي لعب على الذكرى كعامل يضيفه لمهارات لاعبيه ،كل الذهب الذي توج عنق احمد رمزي على مدار مسيرته لم يكف كافيا بالنسبة له في مقابل لحظة رد الدين التي كسرت قدمه من اجلها في لقاء الذهاب لكن الدفاع بقيادة حسين السيد ، ذلك الحارس الذي لايشبه حراس المرمى لا في الشكل ولا في الطول ولكنه احتفظ بشيء من الشجاعة وايام عجائبية كتلك الليلة التي حمل فيها بيديه الزمالك بشباك نظيفة الى اياب نهائي افريقيا ليبقى جزءا من التاريخ والحنين الذي يمكنه ان يمحي في اغلب الاحوال ذكريات رديئة مهما ثقلت وطأته ، الزمالك ينهي كما خطط الجوهري المباراة كما بدأت ليضع الكرة في ملعب الجمهور الذي اعاد احتشاده في مدرجات ستاد القاهرة مع الوان الزمالك الخضراء شبح زيمبابوي ليقف ماثلا امام عيونه الحادة ، تلك العيون التي اخفت عن لاعبيها احتمالية الوقوف امام المجهول انتظارا لرأس ايمن او تسديدة من ايمانويل او عمل خاص من الغندور لانهاء المهمة قبل ان يضطر الجنرال لتحريك اخر خيوله ، نادر السيد بقميص غير مستعد للمشاركة يدخل بديلا لحسين السيد وعيون الجوهري تراقب كأس سيكوتوري تتظاهر بالرحيل الى غانا مع ركلة الغندور المهدرة الاولى ، ثم تعود مرة اخرى لكل الاحتمالات مع صرخات غرفة الرعاية المركزة الجماعية بعد قذيفة ايمانويل في الركلة الثالثة ، الانسحاب الجماعي لذرات الاكسجين من هواء القاهرة مع اهدار اسماعيل يوسف لركلة كادت تكون القاضية ، ثم نادر السيد ينفض التراب عن روحه ليكتب لكأس افريقيا عنوانا ابديا يحمله مائة الف في الملعب والملايين خارجه على صدورهم ، مانحا الجنرال لحظة معانقة نوع من الخلود لم يكن احد يعتقد في وجوده من قبل

مروان قطب

Comments ()

المباريات المقبلة

zamalek.tv

Connet With Us

اتصل بنا

Tel: 00201001230617

Email: عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

Website: http://www.zamalek.tv

 

Our Sponsors