مروان قطب

مروان قطب (30)

في احد خطوط فيلمه المسمى " من روما مع حبي" يقدم الكاتب والمخرج الامريكي وودي الن شخصية تبدو مألوفة يجسدها العبقري الايطالي روبرتو بينيني , تحت اسم ليوناردو بيسانيللو ذلك الموظف العادي الذي لا يتذكره احد في مكان العمل اذا غاب, يجلس على طاولة الافطار الاعتيادية رفقة زوجته متواضعة الجمال بمقاييس الانوثة بين سيدات روما , يستعد بفتور ليوم معتاد جديد فيه من الرتابة ما يفقده الحماس لفتح الباب , يفتح الباب ليجد في انتظاره لسبب غير مفهوم العشرات من المراسلين بينما تكاد فلاشات الكاميرات تذهب بعينيه , لتبدأ رحلة من الشهرة غير المنطلقة من اساس ما , ويبدا هو في مجاراتها دون ان يفكر لماذا وكيف اصبح تحت بريق الاضواء الرومانية في بلاد تنبض بحبها الحياة....

ليلة الثامن من اغسطس تتحول الى مشهد فتح الابواب للرجل الذي كان قبل اسابيع قد فشل بالصعود بفريقه للدرجة الاولى فوجد نفسه مرة واحدة في ديربي بطعم المباراة النهائية , وبدلا من التأهب لموسم جديد مع مقدمي برنامج " ستاد بلدنا" يجد امامه عشرات من المراسلين يسألونه عن سر ذلك الانتصار المبين الذي حققه في نهائي لم يكن احد ليلمه لو خسره , يفكر في اجابة مميزة تتناسب مع وضعه الجديد كمدرب شاب يحصد الكأس في محاولته الاولى مع النهائيات , يرى ان تركه الاطراف لاظهرة المنافس دون ان يتلقي هدفا مباشرة من عشرات الكرات العرضية تبدو الاجابة الاكثر اتساقا مع الصورة الجديدة في زمن يمكنك ان تتحول فيه الى ظاهرة اليكترونية بمقطع فيديو مدته عشر ثوان...

عيون الكاميرات تطارد بينيني في كل مكان , تذهب به الى نشرة التاسعة مساء لتحليل الوضع السياسي , تلتقي به بينما يقوم بحلاقة لحيته في طقس يومي كان مملا فيما سبق وليس فيه ما يستحق الشرح , تحول كل ما يجيب عنه من اسئلة الى اجابات ذات مغزى حتى اذا كانت عن نوعية الملابس الداخلية التي يفضلها الموظف الذي يحصل بفضل الشهرة على احترام اضافي في مكان عمله بالاضافة الى سكرتيرة حسناء بينما يبدو مستمتعا بوضعه الجديد غير المبرر , تماما كمن يتحدث عن افضل تغييرة في مسيرته التي لا تصل خلالها مجموع تغييراته الى العشرة وعن انجاز الوصول لنهائي البطولة التي يلعب فيها بفريق كبير لكن بقائمة محدودة, بينما يتناسى انه عائد من خسارة بخمسة اهداف كاملة من فريق هزمه برباعية قبل اسبوع , شأنه شأن حارس مرماه الذي يخرج رافضا للنقد بعد لقاء دخلت فيه كل كرة سددت على مرماه للشباك .. كان يدرك ان احدا لن يسأله عما حدث مهما كانت كارثية ماحدث في الدقائق التسعين لفريق خسر في تاريخه كله مع كل الاجيال بخماسية اعتبرت نكسة وقتها وخسر مع هذا الجيل مرتين بالخمسة في عامين متتاليين لكن الاعتذارات على انستجرام كانت كافية لغسل ما حدث , كل هذا لم يكن له اي معنى اذا ما عاد بموعد جديد مع كأس انتظرها من فقدوا ايقاع حياتهم لصالح الزمالك منذ اصبح الحلم الافريقي على اعتاب التحقق...

حياة مجتمع النخبة في العاصمة الايطالية تحول بينيني من ذلك الرجل الغارق في نمطية عجلة حياة الطبقة العاملة في اوروبا الرأسمالية الى محور كل الاحتفالات التي يتدرج فيها من اصطحاب زوجته بزي السهرة الوحيد المهتريء الذي تمتلكه الى مرافقة عارضات روما الفاتنات في احتفالات تتكرر في كل ليلة بنفس اللقائات الاعلامية التي يدلي فيها برأيه في كل شيء , كل الثقة التي يكتسبها من هذه الهالة التي لم يعد باستطاعة احد الحديث عن زيفها تمنحه الثقة في الحديث , تماما كتلك الثقة والرهان على رصيد مجاني مكتسب حديثا التي تدفع رجلا خسر فرصة عمره امام النصر للتعدين للبدء في ذهاب نهائي بطولة قارية امام فريق هزم فريقه مرتين من قبل بتشكيل هجومي لا يمكن ان يبدأ به اي من هؤلاء الذين يدركون الفارق بين النقطة والخروج بلا نقاط في حسابات البقاء ببطولة الدوري الممتاز , يفكر في الهجوم بحثا عن تكرار التهديف كما حدث في المغرب وكأنه لم يتلقى في المغرب خمسة اهداف وكأن ما انتظرته الجماهير لاربع عشرة عاما يمكنه الانتظار لعام اخر اذا ما فشلت تجربته وانجبت مسخا كالذي كانه الزمالك في بريتوريا , وتحت عبء الامل الذي ادمنه عشاق الزمالك وضيق الوقت تمر الثلاثية كما مرت الخماسية كجزء من الجرائم التي ترتكب بشعار لاصوت يعلو فوق صوت المعركة..

تأتي المعركة وتمر مرور الكرام لدى الجميع وكانها مباراة ككل المباريات , كل الادرينالين الذي بثته هتافات الالاف الذين عاشوا على الحافة بين يوتوبيا اكتمال الحلم وبؤس ما يشاهدونه على ارض الملعب لم يستمر طويلا , لاعبون يهربون من استلام رمية تماس من زميل مرتبك , لاعبون اخرون يتفرغون للقطات تتسخ فيها قمصانهم ويحصلون على صك النضال دون انتاج على ارض الواقع بينما تركوا الركلة الحرة الاهم في المباراة لاكثر اللاعبين ارتباكا على عشب الملعب وابعدهم عن امكانية التهديف , لا تعديلات من الخارج تطرأ بمساعدة تلك الحركات المتوترة من رجل لايبدو انه يمتلك اجابات لما يحدث, لاعب واحد يخطيء ويخرج عن النص ويسجل هدفا يحفظ ماء الوجه ويمنحهم تصفيقات تخرج من عيون باكية على تأجل الحلم لعام اضافي بينما يمكن غسل بقية الحزن ببعض الصور المؤثرة على فيسبوك للاعبين يبكون بطاقة اكبر من تلك التي بذلوها في مائة وثمانين دقيقة في ملعبين , يدخل الرجل الذي يعتبر خسارة الزمالك الغير مسبوقة للقب افريقي على ارضه انجازا وهو ليس انجازا الا لرجل توج بوصافة مجموعة الصعيد في القسم الثاني لقاعة مؤتمر ما بعد اللقاء بخطوات مرتعشة تتمنى لو انتهى قبل ان يبدأ , يعلن استمراره في مكانه هكذا بكل بساطة وكانه فرط في مباراة محلية لفريق في منتصف الترتيب , دون حتى كلمة اعتذار لجماهير كانت سوق التذاكر السوداء ومتطلبات رحلة المعاناة الى برج العرب قد استنفذت جيوبهم حتى تفرغوا خارج الملعب للاحتجاج على سائقين طلبوا حفنة جنيهات اضافية من اجل اعادتهم باعلام منكسة الى بيوتهم...

في نهاية فيلم وودن الن غير المحتفى به يخرج روبرتو بينيني في شخصية ليوناردو بيسانيللو من منزله متوقعا نفس الضجة المعتادة التي كان قد ضاق ذرعا بها بعد ان افقدته اعتيادية حياته المملة متوسطة الحال التي خلق لها, لكن العيون الضجرة لاحدى المراسلات تقرر فجأة وبنظرة سريعة وصيحة واحدة منها ان تنقل تلك الجلبة غير المبررة الى احد المارة العابرين و الذي يقابلها بنفس الاندهاش المبدئي تاركين ليوناردو وحيدا يحاول تذكير الجميع بانه ذلك الشخص الذي كان الجميع يود سماعه قبل دقيقة واحدة دون ان يعرف لماذا , ودون ان يعرف لماذا تركوه ليبحث من جديد عن احد يتذكره او يكترث بوجوده من الاساس في شوارع روما مرتديا ملابسه الداخلية التي كانوا يسألونه عن طريقة اختيارها قبل ايام في نشرة التاسعة..

مروان قطب

Comments ()

افريقيا 2002 : مافعله الحنين بجيل اليوتيوب

Written by
Published in مروان قطب
السبت, 22 تشرين1/أكتوير 2016 14:01

ليست كثيرة هي الاشياء التي يمكنها ايقاظك مبكرا لتقف في طابور مكتظ صبيحة الجمعة خاصة اذا كنت من هؤلاء الذين امضوا ثلثا من اعمارهم في صفوف تبحث عن لقمة العيش او انهاء ورقة تافهة او قطعة ورق على جواز سفر تعني انه يمكنك الخروج من هنا دون ان تطاردك اوراق اخرى، في هذا المكان الذي لم تعد الحياةبمعناها المالوف تحدث فيه الا نادرا ثمة من يطوفون المدينة جيئة وذهابا بحثا عن قطعة من الورق المصقول ، يشترونها باضعاف اثمانها في زمن اصبحت فيه اشياء كاكياس السكر وعلب لبن الاطفال ثروة ، ليسوا متأكدين حقيقة من جدوى تلك البطاقات او فعاليتها امام بوابة الدخول لكنهم يطاردونها باستماتة ، شيء ما فيما يفعلونه يبدو غير منطقيا ، لكنها لعنة الوصال مع الجحيم الذي اختاروه لانفسهم
بعضهم ممن بدأ الشعر الابيض في التسرب الى رؤوسهم يمكنه ان يحكي قصة حياته بتلك الاهداف التي ظن وقتها قبل عصور التكنولوجيا انه سيحتفظ بخصوصية روايتها لمن يليه ممن لن يتمكنوا من العثور على جهاز فيديو اثري لمشاهدة تلك الشرائط، بدءا من الليلة الممطرة في اواخر العام 1984 ونهاية بليلة استكمال اسماعيل يوسف لارث الاخ الاكبر برفعه لكأس 1996 ، لكن هؤلاء الذين يمكنهم حكاية قصتهم كاملة بجمل تنتهي بالزمالك لازالوا رغم ارشيف اليوتيوب يمتلكون شيئا مميزا في رائحة حكاياتهم عن كل صولات فريقهم الافريقية ، الا في بطولة 2002 التي يستأثر بها من لم يعاصروها اكثر ممن حضروا مباراياتها في مدرجات

وسط الصف الممتليء بقمصان بيضاء على اجساد شابة تنتظر بطاقة ترسلهم الى حيث يعيشون دائما مع الزمالك على حافة الامل ثمة من يمكنه رواية القصة كاملة رغم انه وقتها كان في الرابعة من العمر على اقصى تقدير ، منهم من يعرف ان افتتاحية تلك النسخة بسداسية امام الجيش الرواندي في القاهرة كانت احدى امتع ما قدمه الزمالك على الاطلاق في اربعين عاما من العرق و الدم والدموع في افريقيا وانها قد تكون المباراة الوحيدة التي سجل فيها حازم وصبري في لقاء واحد ، عشرات المرات التي شاهد فيها ثلاثية عبد الحليم في اسيك في فيديوهات تكريم الهداف التاريخي وسط السنين البائسة تحتل مكانا في ذهنه بينما يحاول في فوضى الحنين البحث عن احد ممن في قائمة مباراة الاحد المحدودة يمكنه تكرار ما فعله العندليب ، يتفاعل كجيله مع منشورات اللاعبين التي تحتوى رسوما لعضلات على "انستجرام" بينما تمنى لو امتلك مدحت عبد الهادي هاتفا ذكيا ليصور كتفه المخلوع المثبت بشحنة مساعدات طبيبة قبل ان يطير غير مكترث بمضاعفات قد تذهب به لغرفة العمليات ليقابل عرضية حازم امام في مرمى الترجي ، يدرك من مشاهداته لحسام حسن الذي عاش معه هو وجيله الحلم الذي لم يكتمل دوري المئوية في كل استاد رحلوا اليه ان هذا الرجل لايعترف بعدد من حوله ممن يودون له التعثر ، لكن دليله الاول على ذلك في اي نقاش على المقهي لن يكون سوى الاربعين مترا التي قطعها ابن السادسة والثلاثين وقتها على ملعب المنزة وخلفه دفاع تونسي كامل يعرف بحكم الخبرة ان ركضة كهذه من المهاجم الاصلع العجوز لا تنتهي سوى بكرة في الشباك، يخاف اقرانه في المدرسة من مشجعي اللون الاخر من ذلك الوحش الرابض في اقصى الجنوب المسمى بمازيمبي ، لكنه يمتلك على مفضلاته في "يوتيوب" مقطعا يضم هدفا لحليم في غابات لومومباشي قبل تمهيدها وهدفين فيهما كل تجربة حسام في شباك غربان الكونجو ، وبينما تعني كلمة "كوستا دي سول" لمن في سنه منتجعا على الساحل الشمالي لايمكنه الا ان يتذكر عند سماعه لها سوى انه ذلك الفريق الوحيد الذي فاز عليه الزمالك ذهابا وايابا في اخر بطولة افريقية توج بها ، يمكنه هو ومن يقفون في ذلك الصف الذي يخرج منه البعض بتذكرة وبثياب ممزقة لكن في قمة الرضا ان يحكون قصتها بنفس حنين من حضروا ليلة الثاني عشر من ديسمبر ، الا ذلك المشهد الذي تمنى كل من رأوه وقتها لو ظل باقيا على الشاشة للابد
اربعة عشر عاما مرت على كرة فارقت قدم تامر عبد الحميد لتنفي عنه صفة الجندي المجهول مهما امتد به العمر ، كان لابد لتلك اليوتوبيا التي شارك في صنعها كهول في سن التوأم حسن وبارونات في مخملية حازم امام وافراد من كتيبة عمليات كمدحت عبد الهادي وحليم بهدف من الرجل الذي لن يذكره احد مالم يسجل ، لم يكن احد يمكنه ان يدرك وقتها كيف يمكن للحنين لمشهد ان يستبد بملايين الى حدود العشم فيما يبدو مستحيلا بكل مقاييس مايعرفونه عن المنطق الى الحد الذي جعلهم يتجولون كمجاذيب في شوارع المدينة بحثا عن تذاكر لو نجا ممن سحقوا على ناصية حلم ليلة الثامن من فبراير احد لشاركهم البحث عنها ، ضاربين بعرض الحائط بنصائح ابراهيم اصلان في روايته "خلوة الغلبان" عن ابقاء مسافة منطقية مع الواقع تحول دون انكسار القلب ، بمجرد اداركهم انه بوجودها لايصبح لتشجيع الزمالك معنى من الاساس

 





مروان قطب

Comments ()

كل شيء في الصورة القادمة من تونس يوحى بانه لن يكون يوم تلك المجموعة التي ترتدي اللون الابيض ، بدءا من مدرجات ملعب المنزة التي بدت وهي ممتلئة كارجل مركبة فضائية تقوم بانزال على سطح الارض ، ذلك الجو الرمادي القاتم المستعد لاغراق الملعب في اي لحظة يؤكد ان انطباع ان اللقاء يقام على كوكب اخر اضافة الى الملامح الاسيوية الواضحة لحكم يقول معلق المباراة انه من الموريشيوس، امام منتخب تونس في قميص احمر واصفر عائد من القاهرة بتعادل سلبي كان اقرب فيه للفوز كان الزمالك قد استنفذ كل مالديه من حيل في القاهرة الا لقطة اخيرة ادخرها للاياب تغلب فيها جو اوتشيري على اكثر السيناريوهات المتفائلة في ذهن مشجع الترجي خلف مرماه الذي رأي الكرة تتهادى للغاني امام شباك خالية ليضع الكرة بغرابة في يد شكري الواعر ، مانحا الفرصة للراحل الهادي بالرخيصة لمنح التاكيد الاخير على كون اللقاء يلعب بعيدا عن كوكبنا ، بارتقاء بلغ فيه ضعف طول حسين السيد ليبدا مراسم تجريد الزمالك من لقب العام 1993



في عام 1996 كانت السينما في اميركا على موعد مع فيلم اقتحمت به شخصيات "وارنر برذارز " الكرتونية دور العرض بالمشاركة مع اسطورة كرة السلة مايكل جوردان ، الذي يجسد في الفيلم شيئا من حياته مابعد قراره المفاجيء باعتزال كرة السلة وفريق الاحلام عام 1993 من اجل الانتقال للعب البيسبول قبل ان يقنعه "باجز باني" وبقية شحصيات الكرتون بالعودة لكرة السلة لمواجهة اقزام فضائية اتت من كوكب اخر وجردت زملائه في فريق الاحلام من مهاراتهم ليتحولوا هم الى عمالقة، لم يكن جوردان يعلم بالطبع ان فريقا اخر يلعب رياضة اخرى على الطرف الاخر من الكوكب كان قد لقب بنفس الاسم ، الا ان عشق هذا الفريق للنهايات الغير خاضعة لضريبة المبيعات كان اقوى من التسمية ، كتيبة الاحلام التي تفرد ذراعها على مساحة واسعة من تاريخ الزمالك بقيادة اسماعيل يوسف مرورا بايمن منصور وعفت نصار وانتهاءا بجيل حازم وصبري والمدعمة بابهار جوهرةالاسكندرية السمراء احمد الكاس تخسر اللقب المنتظر الذي بدا في الجيب بعد افضلية وصلت في مرحلة ما الى ثلاث عشرة نقطة، وتنهي الموسم بمشهد درامي يشبه قلب الطاولة في خمارات افلام الواقعية المصرية ..

كان الزمالك قد استهل مشواره قبل ذلك المشهد في بطولة افريقيا 1996 بفوز متوتر بشكل غير مبرر امام صان رايز بطل موريشيوس بثلاثة اهداف اثنان منها من ضربتي جزاء لصبري والكاس قبل ان يختتم الجزائري قاسي سعيد بهدفه النتيجة في مقابل هدف للضيوف يمنحهم بعض الامل في التعويض في بورت لويس التي توترت فيها الاعصاب البيضاء بعد تقدم قبل ان يؤمن حسين عبد اللطيف بهدف نادر تاهل الزمالك رغم الخسارة بهدفين ، جرس الانذار الذي دقته هذه المباراة مع تخبط جهاز فني تفنن في اضاعة النقاط في الدوري بينما كان يبحث عن ترتيب مسمياته الفنية لم يكن بحاجة الى من يؤكده ، فتكفيل ديسبورتيف الموزمبيقي بارسال الزمالك لدور الثمانية بعد ان انسحب من ثمن النهائي.. لكن انهيار حلم الدوري في مباراة اختار فيها اتحاد الكرة الحكم الوحيد على وطه الارض الذي اعترض عليه الزمالك كان كفيلا بان يعصف ليس فقط بجهاز الزمالك ومجلس ادارته، بل كانت وطأته ثقيلة الى الحد الذي انسى هؤلاء الذين عادوا من ملعب القاهرة باعلام منكسة ليلة الخامس والعشرين من يونيو بان ثمة حلما افريقيا لايزال على قيد الحياة



كان على فريق الاحلام المنكسر الذي بدا بعد فقدان الدوري وكان سحره قد انطفأ كتشارلز باركلي ورفاقه بعد زيارة كائنات فيلم "سبيس جام " الفضائية لكوكب الارض ان يعيد اطلاق مالديه من جديد، بجهازفني جديد بالكامل ومجلس ادارة معين يسافر بثياب خضراء الى الاسكندرية محاولا غسل همومه على شاطيء المدينة التي اعتبرها من ذلك اليوم وطنه الثاني مع كل الشكر لعقوبة الاتحاد الافريقي ، اشرف قاسم يحاول تعويض ما فاته في رحلة السعودية التي ابعدته عن حمل كاس 93 برأسية في شباك المكناسي المغربي في ذهاب ربع النهائي ، وبيليه الاسكندرية احمد الكاس لايفوت فرصة العودة الى منطقة محرم بك ويمنحها ومضة جديدة من السحر الذي احتكر تقديمه على ملاعب الثغر لسنوات ، هدفا الاسكندرية وسط الاف الاعلام البيضاء اعادا للزمالك شيئا من ذاكرة ما اعتاد تقديمه في افريقيا مهما كانت ظروفه المحلية ، ليسافر الى مكناس ويرد على كل هدف تقدم به الضيوف المتحمسين بهدف الاول لطارق مصطفى الوافد الجديد على هذه الاجواء والثاني لايمن منصور الذي تزال اثار تسديدة جوهانسبرج على وجه قدمه ، في مباراة لم يعكرها سوى طرد الكاس الذي غيبه عن ذهاب نصف النهائي



ظلال الرحلة التي فقد فيها الزمالك لقبه للمرة الاولى في نهائي في تونس لازالت جاثمة في ذهن من عاصروها ، لكن الرحلة الى الجنوب لمواجة الصفاقسي لم تكن بقساوة ليلة المنزة المذكورة اعلاه ، هدف اسكندر السويح من ركلة جزاء كان من انهى المباراة لاصحاب الارض بانتظار العودة على ملعب الاسكندرية التي كانت بحاجة لان يقلب الزمالك في دفتر ذكرياته قريبة المدى تماما كجوردان الذي استطاع اقناع المعتزل "لاري بيرد" بالعودة للقاء وحيد لاستعادة قدرات رفاقه السحرية في الفيلم، الزمالك يلتحم بالنوستالجيا مرتديا الاخضر تماما كما كان الحال في اخر مرات لقاءه بركلات الموت البطيء امام كوتوكو ، يعوض محمد صبري مبدئيا افضلية الصفاقسي بركلة جزاء في وقت المباراة الاصلي ، يضطر فرنر ومحمود سعد الى التنقيب اكثر في صندوق الذكريات عند الدقيقة الاخيرة فيخرج منه نادر السيد بنفس الهدوء وبقميص مرتبك يبدو من طباعة الرقم انه لم يكن مجهزا للنزول بديلا لحسين السيد ، صبري يقدم نفسه بطلا للنهايات المتباينة كعادته ويهدر ركلة الترجيح الاولى ثم يتتابع قاسي وايمن منصور وطارق مصطفى واشرف قاسم في تسجيل الركلات بنجاح حتى الخامسة، قبل ان يستأثر نادر بحنجرة ميمي الشربيني وسط اصوات زملكاوية الاسكندرية ويرسل الفريق بتصديين من الذاكرة للنهائي الافريقي الثالث في اربع سنوات



كان على محمود سعد مع معرفة طرف النهائي الاخر العودة الى صندوق الذكريات من جديد ، المنافس هو شوتنج ستارز نفس الفريق التي عبر الزمالك للقب الاول على انقاضه ، لكنه ينقل مباراة الذهاب الى عرينه في ايبادان الذي لايبدو ان ملعبها قد وصلت اليه الطفرة البترولية في نيجيريا ، لم يكن في وسع الزمالك بعد هدفين تلقاهما على ارض اشبه بالحقل الا ان ينتظر شيئا لايقل عشوائية ليعدل به شيئا مما جرى ، الدربكة التي استغرقت ما يزيد عن عشرين ثانية علق عليها كلها حمادة امام بجملة "هوبا يا طارق " تنتهي بهدف للزمالك يقلص به الفارق وتصفه اخبار الرياضة على غلافها ب "هدف بمليون جنيه" في وقت كانت المليون جنيه لازالت تساوى مبلغا محترما من الدولارات



مشهد النهاية كان فيه كل ما يتعلق بذلك النادي الذي يعرف جيدا انه الطريق السهل لم يكن ابدا هو قدره فمابالكم اذا كان مشهد النهاية يصادف يوم الجمعة الثالث عشر من ديسمبر ، حتى وان كانت طاقة المائة الف متفرج قد دفعت بمدحت عبد الهادي الى منطقة الجزاء مبكرا على غير العادة ليحول تمريرة ايمن منصور الى هدف هو كل ما حلم به عندما دفع به الجوهري يوما ما كتلميذ في جيل 93 ، الشوط الاول ينتهي على ايقاع الغناء احتفالا باقتراب البطولة ،وهتاف "اما ليلة ياسلام" يعيد اشرف قاسم لشيء مما افقدته اياه السنين بتمريرة تضرب التسلل وتصل الى عفريت الزمالك في تلك البطولة طارق مصطفى الذي يرسل الحارس خارج الكادر ، ويضع ايمن منصور وحيدا امام الشباك للحظة بدا بعدها وان كل شيء سيمر على مايرام على غير العادة ، لكن صندوق الذكريات لم يكن قد اغلق بعد ليخرج منه شبح هدف طارق مصطفى في الذهاب في اخر دقيقة في صورة لاعب نيجيري يستغل دربكة مشابهة ليعمم الصمت على مدرجات كانت اصواتها قد تاهبت لصرخة النصر ، نادر السيد يرتدي قميصه غير المرتب قبل ان يطلب منه احد النزول ، يذهب الى المرمى الايمن الذي عبر منه للتاريخ امام كوتوكو بينما يمسك محمد صبري بمصحفه طالبا العون من السماء ، وتمتد يده للركلة الاولى تماما كمايكل جوردان في سلة حاسمة في نهاية مباراة فريقه الكارتوني امام الكائنات الفضائية ، يترك بقية المهمة للكاس وايمن ومعتمد قبل ان يهدر الشيشيني ويعيده للواجهة ، لكن العارضة قررت ان تكافئه عن مجمل اعماله ، تتصدى هي للركلة الاخيرة وتخرج ركلات الترجيح بورقة العقد الابدي بين اللون الابيض وكأس افريقيا لتضيف عليها نجمة رابعة، روتها الذكريات بكل الجمل التي تنتهي بالزمالك



مروان قطب

Comments ()

افريقيا 1993 : خلود الجنرال على ضفة النهر الاخرى

Written by
Published in مروان قطب
الإثنين, 17 تشرين1/أكتوير 2016 11:49

محافظا على عادته الثابتة منذ ايام العسكرية في الاستيقاظ المبكر ، يجلس لتناول الافطار كهدنة بانتظار ان تصل صحف اليوم لمطالعتها مع سيجارة الصباح الاثيرة ، صيف العام 1993 لم يكن المفضل بالنسبة للرجل قصير القامة الذي اقترب الشعر الابيض من احتلال راسه بنفس الطريقة التي احتل بها لاعبوه بقمصان خضراء منتصف ملعب هولندا في ليلة عدالة السماء الشهيرة، كان على بعد لمسة من الخلود مع نفس القمصان الخضراء التي قرر احد مرتديها في يوم غائم على ملعب جيرلاند ان ينحني للكرة ليلعبها بالرأس بدلا من ان يضعها كأي طفل في فناء مدرسة ابتدائية بقدمه في الشباك ، محولا احلام الرجل المستند على قائم دكة البدلاء في الخلودالكروي الى مئات من السجائر التي احترقت معها رئتاه بينما يفكر في الرحلة لمونديال ارض الاحلام التي حرم منها بحجر ملقى من المدرجات وبلعبة غرائبية لا تتكرر الا في برنامج المقالب ، جرس الهاتف الذي يخترق صمته بينما يطالع عنوان صفحة الرياضة المنتشي فيما يبدو بفوز احمر كبير في ديربي القاهرة يحمل صوتا مألوفا يعرض عليه امرا لم يكن مألوفا ابدا ، حمادة امام على الطرف الاخر من الهاتف يطلب منه ان يعبر الى الضفة الاخرى من النهر ، ومهلة التفكير يحييها ابطال ليلة القميص الاخضر في باليرمو اسماعيل ويكن ورمزي باتصالات التشجيع على لم الشمل ، يفكر في ان الخلود قد يأتي من مكان اخر ، وانه لايزال صغيرا على ان يلزم منزله لكتابة المذكرات كما فعل سيمون بوليفار الذي اكتشف في متاهته التي اصبحت عنوانا لرواية جارسيا ماركيز ان اليأس هو الصحة للخاسرين....

كان كل شيء في ملعب زامورا الممتليء بالجماهير التي لم تستقبل مدربا بهذه الحماسة المندهشة من قبل يوحى له بان نجاحا واحدا باللون الابيض سينقله الى مربع جديد لم يصل اليه من قبل احد على هذه الارض ، وامامه على عشب الملعب مايبدو وانه كاف لرحلة جديدة ، بدءا من ثنائي حراسة اكتشف هو بنفسه احدهما وقدمه للمنتخب قبل ان يحجز مكانا في الزمالك ، مرورا بدفاع يضم تلميذيه رمزي ويكن وان غابت عنه لمسة اشرف قاسم المخملية ، وسط ملعب يعرف قبل ان ياتي من تجربته في حصار رود خوليت ان مفاتحه في يد اسماعيل يوسف ونهاية بخط هجوم يضم كل مايمكن ان تتمناه في لاعب متجسدا في هيئة ايمانويل امونيكي ، والى جانبه مهاجم يسجل احيانا ويصوم احيانا، لكنه لايزال يعيش تحت وطأة قميص جمال عبد الحميد الذي لايجد من يرتديه في غرفة الملابس

الزمالك كان قد مضى قبل وصول محمود الجوهري مبادرا لاستعادة الوصال مع كأس افريقيا الغائبة منذ سبع سنوات بفوز في تنزانيا بهدف للفلسطيني صاحب الشارب السبعينياتي مصطفى نجم على ماليندي الذي سافر للقاهرة بيأس واضح من التعويض كافأهم عليه نجم بهدف اخر من ضمن رباعية حضرت خلالها رأسيتان لحسين عبد اللطيف و نبيل محمود ، بالاضافة الى مختصر مفيد يشرح فيه ايمانويل امونيكي هويته كلاعب من خلال هدف من هجمة مرتدة





لم يكن ايمن منصور يدرك وهو يحتفل بهدف تقليص الفارق على المرمى الايمن ملعب البنك الوطني بجوهانسبرج العائدة للتو من انياب التمييز العنصري انه سيعود لاحقا لهذا الملعب ليحصل على مشهد حياته بركلة على نفس المرمى ، كلها هذا لم يكن ليكون سوى بفضل هذا الهدف الذي قلص به فوز صاحب الارض الكايزر تشيفز الى نتيجة يعوضها هو بنفسه ليلة عيد الاضحى عندما التقت رأسه بعرضية اسماعيل يوسف التي فيها كل ما ابهره به شقيقه ابراهيم منذ كانوا اطفالا





شيء من الشك في قدرة الفريق على حمل ارث جيل الثمانينيات في افريقيا بدأ في التسرب بعد مباراة ظنها المتابعون اسهل مما كانت عليه امام كايزر تشيفز ، لكن ليلة صيفية اخرى على ملعب المقاولون العرب بددت الكثير من الهمهمات ، تلك الليلة الصيفية التي ارتدى فيها خالد الغندور قميصا باللون الاخضر ليحول جبهة الزمالك اليسرى الى نفق لايعرف زحام القاهرة اقتحم منه دفاعات مولودية وهران الجزائري ليصنع الهدف الثاني لايمانويل ثم الثالث لعت نصار بانطلاقات بدا فيها اشبه باحد الشخصيات لعبة "سوبر ماريو" التي تجمع بين قصر القامة و السرعة والحركات الاستعراضية ، رباعية الزمالك التي يكملها "بندق" بنفسه بضربة جزاء في الشوط الثاني حملت من الابهار ما ذهب تقريبا بحنجرة حمادة امام معلقا على اللقاء ، مثلما رسمت لدى طفل في الخامسة يشاهد تلك النشوة على وجه الاب والجد مع كل هدف صورة لما ستكون عليه حياته في وقت لاحق





بلون الجوهري المفضل يعود الزمالك الى مشهد المربع الذهبي بعد ان كان قد انهى مهمة المولودية في مهد موسيقى الراي بتعادل بهدف قرر ان يختر وليد معاذ ليحصل على ذكرى وحيدة مع الكرة ليضرب موعدا في الجبل الاخضر مع ستيشنري ستورز النيجيري الذي كان قد اخرج حامل اللقب الوداد المغربي من ربع النهائي ، بدا مع افتتاح ايمن منصور للتهديف ان كل الظروف كانت مهيأة لتكرار رباعية مولودية بنفس الالوان على نفس الملعب ، لكن هدف التعادل يعيد الامور للمربع صفر ويمنح الضيف الافريقي مايحتاجه من الامل للقاء العودة رغم ان الزمالك انهى المباراة لصالحه بهدف للغندور من ركلة جزاء واخر لايمن منصور ، في نيجيريا التي اتى منها الزمالك بلقبه الاول يقف الجوهري حائرا بينما يشاهد اصحاب الارض يحتفلون بهدف جعلهم على بعد هدف من النهائي ، يدرك انه الان وبعد ركلة الجزاء الثانية التي يحتسبها الحكم على الزمالك بحاجة الى شيء من عدالة السماء التي انصفته في باليرمو وادارت له ظهرها في في ليون ، لتظهر له متمثلة في اكتشافه الاول نادر السيد الذي يتصدى للكرة ويبقى النتيجة على ماهي عليه حتى النهاية محافظا على الحلم الابيض على قيد الحياة





على الطائرة المتجهة الى كوماسي حيث عادالجوهري بلقبه الافريقي الوحيد كمدرب قبل مايزيد عن عشر سنوات ، كان يحاول ان يشرح للاعبيه ما اخبره ماركيز على لسان سيمون بوليفار في "الجنرال في متاهته" عن كون الحياة قد منحته اسبابا كافية لليقين بان لا هزيمة يمكنها ان تكون الاخيرة ، اسم كوماسي ظل كجثة قتيل مجهولة الهوية مدفونة في اذهان من عاصر خماسية العام 1988 ومن اتى للزمالك بعد توابعها الى حد لم يكن هناك مفر من الدفاع على الطريقة التي يفضلها الجنرال امام كوتوكو الذي لعب على الذكرى كعامل يضيفه لمهارات لاعبيه ،كل الذهب الذي توج عنق احمد رمزي على مدار مسيرته لم يكف كافيا بالنسبة له في مقابل لحظة رد الدين التي كسرت قدمه من اجلها في لقاء الذهاب لكن الدفاع بقيادة حسين السيد ، ذلك الحارس الذي لايشبه حراس المرمى لا في الشكل ولا في الطول ولكنه احتفظ بشيء من الشجاعة وايام عجائبية كتلك الليلة التي حمل فيها بيديه الزمالك بشباك نظيفة الى اياب نهائي افريقيا ليبقى جزءا من التاريخ والحنين الذي يمكنه ان يمحي في اغلب الاحوال ذكريات رديئة مهما ثقلت وطأته ، الزمالك ينهي كما خطط الجوهري المباراة كما بدأت ليضع الكرة في ملعب الجمهور الذي اعاد احتشاده في مدرجات ستاد القاهرة مع الوان الزمالك الخضراء شبح زيمبابوي ليقف ماثلا امام عيونه الحادة ، تلك العيون التي اخفت عن لاعبيها احتمالية الوقوف امام المجهول انتظارا لرأس ايمن او تسديدة من ايمانويل او عمل خاص من الغندور لانهاء المهمة قبل ان يضطر الجنرال لتحريك اخر خيوله ، نادر السيد بقميص غير مستعد للمشاركة يدخل بديلا لحسين السيد وعيون الجوهري تراقب كأس سيكوتوري تتظاهر بالرحيل الى غانا مع ركلة الغندور المهدرة الاولى ، ثم تعود مرة اخرى لكل الاحتمالات مع صرخات غرفة الرعاية المركزة الجماعية بعد قذيفة ايمانويل في الركلة الثالثة ، الانسحاب الجماعي لذرات الاكسجين من هواء القاهرة مع اهدار اسماعيل يوسف لركلة كادت تكون القاضية ، ثم نادر السيد ينفض التراب عن روحه ليكتب لكأس افريقيا عنوانا ابديا يحمله مائة الف في الملعب والملايين خارجه على صدورهم ، مانحا الجنرال لحظة معانقة نوع من الخلود لم يكن احد يعتقد في وجوده من قبل

مروان قطب

Comments ()

افريقيا 1984 : ميت عقبة التي لا يعرفها جورج اورويل

Written by
Published in مروان قطب
الثلاثاء, 04 تشرين1/أكتوير 2016 21:45

في روايته التي كتبها في اواخر الاربعينيات , يشرد الكاتب البريطاني جورج اورويل بخياله متخيلا العالم وقد تحول في العام 1984 مكونا من ثلاث دول , وعلى لسان احد اعضاء الحزب الحاكم الاوحد في احدى تلك الدول يؤكد ان رؤية حزبه للمستقبل ستؤدي الى اندثار الفضول , والقضاء على كل اللذات المتناقضة في الحياة كمخطط لتمسيخ جماعي للعامة فيما عدى تلك المظاهر المتعلقة بسلطتهم , يعود مستدركا "سترى دائما حشودا تحتفل بنصر ما "

لم يكن عضو الحزب الاوحد الذي تخيله اورويل في روايته بعيدا عن الواقع الرمادي لثمانينيات الكرة في مصر , ذلك الهدف الذي حرم منه حسن شحاتة ليذهب بحلم الدوري في وضح نهار القاهرة في يوم من ايام العام 1982 ويذهب بالدرع الى حيث لايجب ان يذهب بدا اشبه لجزء الخاص بوزارة الحقيقة في الرواية، حيث تعدل الصور وتعاد كتابة السجلات العامة لمحو "اللاأشخاص"، أي أولئك الذين اعتقلوا وقرر الحزب هكذا لمجرد انهم يحملون لونا مختلفا أن يمحوهم من التاريخ , الهدف دائما ان تحتفل الحشود بنصر ما , دون ان يكون لكيفية مجيء هذا النصر اي اهمية تذكر في سياق الاحداث






في عام جورج اورويل الموعود يكون الزمالك قد اكمل خمس سنوات من الغياب البطولات , وبعد ان قرر شحاتة بعد سنوات من التقزيم المتعمد ان يعلق حذائه , كانت بقية جيله ممثلة في رفيق الدرب فاروق جعفر والظهير الذي اقتربت اجنحته من التوقف عن الطيران محمد صلاح تقود جيلا يبدأ الهامه من قلب الدفاع , تحديدا من ساحر اسمر اسمه ابراهيم يوسف يمتلك وجها يشبه جيسي جاكسون -اول اسمر يترشح لرئاسة امريكا في نفس العام -وقدمين بطول لاعب كرة سلة ورشاقة راقص هيب هوب , وينتهي عند رأس جمال عبد الحميد , ذلك الذي القي من الطرف الاخر من النهر جريحا واراد الحياة امام بوابة مطلية بخطين باللون الاحمر على الضفة الاخرى فمنحته الخلود بكل معانيه


, كما تبدأ رواية اورويل في " يوم مشرق بارد من ايام ابريل " يبدأ الزمالك بقيادة احد ملائكته الحارسة محمود ابورجيلة في نفس الشهر مغامرته الثانية في بطولة بطولة افريقيا ابطال الدوري , والانطلاقة كانت بوداعية للمباريات الرسمية على ملعب حلمي زامورا بثلاثية لعادل عبد الواحد ومحمد حلمي وطارق يحيى في شباك الصفاقسي التونسي انهت المهمة اكلينيكيا قبل ان يعاود جناح الزمالك الاعسر التسجيل في تونس في لقاء حسم التأهل بعد التعادل بهدف لهدف

كوارشي

افريقيا 1984 عقبة التي يعرفها

للعبث دائما فقرته الثابته في اي صفحة في تاريخ الزمالك , وبما انها اولى صفحات كتاب العجائب الافريقية , فلم يكن لدى اورويل خيال يجاري ذلك الذي امتلكه لاعبو جورماهيا الكيني بعد ركلة جزاء استهل بها طارق يحيى مشروع مهرجان اهداف افتدوا انفسهم منه بكسر ذراع حكم المباراة السوداني , ليصعد الزمالك الى ربع النهائي حيث توقفت مغامرته الاولى عام 1979 بانسحاب عجيب امام ايمانا الزائيري المدعوم بثلاثي تحكيمي افريقي معتاد احتسب ركلة جزاء وعاد عنها مرتين قبل ان يرفض لاعبو الزمالك استكمال اللقاء





احتفال الاهداف لم يتأخر كثيرا , فربع النهائي كان في مواجهة شياطين نكانا الزامبي الحمر , وهدف نصر ابراهيم في تعادل الذهاب بكيتوي مهد الطريق لنصر نفسه ليعاود الكرة بهدفين في القاهرة بينما يظهر جمال عبد الحميد في الواجهة بضربة جزاء , لكنها لم تكن ليلة ايا منهم بقدر ما كانت ليلة العملاق الافريقي الذي يبدو للوهلة الاولى ببنيته المفتولة وشعر رأسه الكثيف قادما من احد افلام اكتشاف الرجل الابيض للقارة السمراء , ايمانويل كوارشي يفرض نفسه عنوانا وحيدا لامسية الخماسية في ستاد القاهرة بثنائية منها هدف يحاكي فيه اورويل في استباق التاريخ , قبل زمن الكابتن ماجد وتسديدات " وينينج اليفين "الخيالية على البلاي ستيشن يطلق كوارشي قنبلة من منتصف الملعب بحسب معلق المباراة تستقر في المرمى , تؤكد جودة خيوط شباك ستاد القاهرة وتقربه هو ورفاقه خطوة اخرى من اليوم الموعود





قبل اليوم المنتظر كانت الرحلة على ترتان ملعب جيت تيزي وزو القاسي وان بدا ممهدا مليئة بالمطبات , امام مجموعة من قاهري المانيا في مونديال اسبانيا يتلقي الزمالك خسارته الاولى بثلاثة اهداف , لكن اقدام ابراهيم يوسف النحيلة كانت قد ارتقت به فوق الجميع ليضع رأسه في مواجهة ركنية طارق يحيى ويمنح الزمالك حق الحلم بعودة ملحمية , اصبحت فيما بعد عنوانا لمسيرة كل من شارك فيها المباراة التي يصر معاصروها على تسميتها بالمباراة الاجمل في تاريخ الزمالك على الاطلاق يدخلها الزمالك بقيادة فاروق جعفر و جمال عبد الحميد و ابراهيم يوسف و بقية اسماء جيل الثمانينيات مدعوما بمائة الف مشاهد او اكثر يحول مباراة اياب نصف النهائي امام جيت الجزائري الى لقاء العمر لكل من شارك فيه مرتديا الفانلة البيضاء , بعد ان انهى الفريق الشوط الاول بهدف من ضربة جزاء فيها كل الخبث المختلط بخبرة السنوات لدى فاروق جعفر ترجمها جمال عبد الحميد كان الجميع على موعد مع شوط ثاني من السيطرة المطلقة امام بطل نسخة عام 81 , سبع دقائق من الشوط الثاني كانت كافية حتى يتصدر نصر ابراهيم المشهد مترجما برأسه على يمين "عمارة " حارس الضيوف عمل جماعي رائع بين ايمن يونس و محمد صلاح على الجهة اليمنى الى كرة داخل الشباك الجزائرية معلنة عن ثاني اهداف ثلاثية ذلك اليوم , قبل ان يصل عملاق افريقيا كوارشي مرة اخرى ليضع بصمة الحسم بقنبلة رأسية مطلقا صيحات محمد لطيف التي تنطلق بصعوبة وسط ضجيج ستاد القاهرة الممتليء عن اّخره احتفالا بصعود الزمالك للنهائي الافريقي الاول في تاريخه , ومانحا كل اصحاب اجهزة الفيديو الذي تمكنوا من تسجيل المباراة اثمن مقتنياتهم الزملكاوية على الاطلاق





امطار القاهرة الغزيرة بشكل غير اعتيادي في يوم الجمعة الاخيرة من نوفمبر 1984 لم تمنع مدرجات ستاد القاهرة من الامتلاء بمائة الف علم ابيض يتأهبون لمعانقة الحلم للمرة الاولى , وقلق تأخر الهدف الى الشوط الثاني مع ارضية مبتلة احتاج الى من يعانق السماء لاقتناص المدد , ولمهمة كهذه لم يكن هناك امثل من جمال عبد الحميد , رائد الفضاء الذي اتى للزمالك بقدم مكسورة فتحول الى اعظم ضاربي الكرة في تاريخ مصر يضع برأسه اول الاهداف قبل ان يهبط على الارض لركلة جزاء ينفذها باقتدار , مختصرا المسافة بين الزمالك وكأس سيكوتوري الى تسعين دقيقة تنتهي كما بدأت





لكن التقدم بهدفين دون مقابل لم تكن نتيجة تحظى باحترام كبير في افريقيا التي لم تكن تعترف كثيرا بخطوط التسلل او منطقة الجزاء عندما يتعلق الامر بصاحب الارض خاصة اذا كان في عنفوان الفريق النيجيري المدعوم بسبعين الف متفرج في ملعب لاجوس , لكن الزمالك يأبي الا ان يدخل تاريخ البطولة بطريقته الخاصة ودون ان يعاني كثيرا يعود من نيجيريا فائزا بهدف لمدافع اصحاب الارض في مرمى عادل المأمور الذي قرر يومها ان يخطف الاضواء ليس فقط بتصدياته بل باحتفال عجائبي اخرج به رمال ملعب لاجوس من تحت عشبه , وكأنه ينقش بجسده اسم الزمالك على ارض القارة التي اصبح ذلك المكان الذي يحتل مربعا في قلب القاهرة وكل المربعات في قلوب جماهيره احد اهم عناوينها على الاطلاق





مروان قطب

Comments ()

كل الاحتمالات مطروحة فيما يخص انتماء الروائي الإسباني خوان خوسيه مياس الكروي ان كان له بالكرة علاقة ، قد يكون مشجعا لريال مدريد كما تبدو الامور بديهية لغالبية من ولدوا في عاصمة اسبانيا، وربما اختار ان يقول لا في وجه من قالوا نعم فاختار الارتماء في احضان شجن نوستالجيا اتليتيكو مدريد ، يحتمل ايضا ان يكون قد غرق في محيط حارته المحلية كما كان حال بطل روايته "العالم" فاختار ناديا في الظل لايشجعه سوى سكان ضاحيته كرايو فايكانو او خيتافي


لكنه - غالبا – لم يسمع عن الزمالك ، ومثلما لم يصلنا من اعماله بالعربية الا القليل ، لم يصله شيء عن ذلك المكان الذي يحتل مربعا في قلب القاهرة وكل المربعات في حيوات جماهيره
الا انه وعلى حال يكتب فيما يكتب ما يكتب ما يمكنه ان يصف مالدينا


في رواية " العالم" يدور مياس الاحداث في البداية حول طفل اجبرته مشاكله الصحية على عدم الخروج ليتخذ من زاوية مهجورة ببدروم منزله نافذة له على الشارع الذي هو العالم بالنسبة له ، تماما كهؤلاء الذين اطلوا على الحياة من نافذة الزمالك دون ان يعترفوا بتشجيع الفرق كمكمل غذائي لاسلوب حياة ، اصبحوا خبراء في خريطة قارتهم ومدنها ليتتبعوا رحلاته ،ادركوا وجود كيان يسمى بالقضاء الاداري قبل سنوات من تحوله الى موضوع متداول في زمن نكات حظر النشر عن القضايا ، قرأوا عن اللوائح والقوانين في بلاد العالم ليصبحوا ملمين بكيفية خروجه من تخبطات ادارية ادمنوا وجودها ، امور كالبطاقة الدولية للاعب او انهاء وصول لاعب اخر من مجاهل افريقيا او تمرد لاعب للحصول على مستحقاته اصبحت اهم لدى كثير منهم من انهيار دخولهم التي تأكلها متطلبات مدينتهم المحبطة ، لم يذهبوا اليه ككيان اكبر كما هم بل وضعوه في قلب عالم لينسجو حوله بقية ملامحه ، عالم يبدأ وينتهى من عند تلك النافذة التي تجعلك تعرف نفسك بها اكثر من اي شيء اخر ، كشخص قد يعوز المال او الحظ او حتى الحديد في الدم ، لكنه لايعاني من نقص الزمالك في حياته


مايبدو وانه اختيار حر لما يشبه طقس تعذيب يومي في نظر البعض هو في نظر اصحاب الاختيار ليس الا عالمهم بكل مافيه، الجحيم الخاص الذين يجدون انفسه اكثر راحة فيه كما يصفه مياس في كتابه "هكذا كانت الوحدة" ، يستيقظون اياما ليجدون النادي الذي لايمتلكون سواه قصة ليحكوها قد اختفى من على وجه الارض بالمقاييس العملية ، في تلك العواصف التي لا تمر بتلك الطريقةالكابوسية الا في الزمالك لتتركه بلا لاعبين او اموال او مدرب او ادارة وفي بعض الاحيان بدونهم جميعا، في تلك اللحظة لايبقى من ذلك العالم الا ذكريات من رحلة تخطت المائة عام فيها من المأساة بقدرمافيها من المهزلة ، في مقابل ومضات من العبقرية التي يكفي ماتبقى من اثار نشوتها اى حتى نشوى تذكرها لاعادة تشييدالجحيم المفضل ، يلملمون بقاياه وفي خياله كيف سيعيدون تشكيلها بيأس مصطنع لم ينجح ابدا في تحقيق انتصار حاسم على الامل الذي لم يجيدوا ابدا اخفاءه ، على وعد بتكرارها بلا ملل في انتظار لحظة ما ، لحظة كتلك التي يمنحها لهم جحيمهم المفضل في ليلة الثامن من اغسطس


بخليط من مجهولين يدخلون عالمهم بحذر ومنبوذين وصموا بالخذلان وعباقرة فقدوا من سحرهم الكثير وصغار يجربون للمرة الاولى رحلة قطار مدينة الملاهي العاطفي مع الجمهور يخرج الزمالك من ملعب برج العرب بطلا كما دخله ، لا لشيء سوى لانهم ارادوها بنفس القدر الذي اراد به من يشجعونهم في ان يبقوا على تلك النار مشتعلة مهما هبت الرياح ومرت السنوات بالخذلان الذي اكل بعضهم ، هنا فقط تستجيب السماء لصرخات كل اطراف باسم مرسي وتتصالح اخيرا مع كل خذلانها لشيكابالا وتنفى تهمة المنحوس عن الشناوي وتمنح تعويضا خالدا لمصطفى فتحي ، بل انها تمنح المشهد الاخير للاعب يدعى شوقي السعيد ، يبدو نظريا كاخر من يمكنه القيام بدور البطولة لاي مشهد


مايدركونه في زحام شارع جامعة الدول وسط الابواق والاعلام والاصوات التي لاتتفق في الهتاف سوى عندما تسمع اسم الزمالك والاطفال المنبهرة والكهول التي تصيح بما تبقى من صوت باسم اخر ماتبقى من متع الدنيا لديهم هو انهم يجيدون الاحتفال بما يتنافى مع اصالة كونهم صناع لعالم هش قد يختفى غدا وقد لاتراه ابدا بنفس الصورة مجددا ، لكنهم يدركون ايضا ان لحظة واحدة ينتصر فيها جحيمهم المفضل غير المنطقي بعد ان ولد بكل تفاصيله على ايديهم كافية لكي تدور حولها دنيتهم حتى وان لم يكتب لها ان تاتي ابدا ، فعالمهم الموازي اوسع من ان تستوعبه ارض يطاردون فيها "البوكيمونات" بحثا عن عالم موازي سبقوا هم الجميع في نسجه

 

مروان قطب

Comments ()

اسبوع "السبيشيال وان" في سيرك ميت عقبة

Written by
Published in مروان قطب
الأحد, 26 حزيران/يونيو 2016 20:06

اليوم الاول

نهار داخلي – مدريد

بداية يوم اعتيادية للرجل الانيق الذي يسكن فيلا فاخرة في ضواحي العاصمة الاسبانية، على مائدة الافطار صحف الصباح من مدريد ولشبونة وعلى صفحتها الاولى كلها صور لافخم موكليه كريستيانو رونالدو يحتفل بتأهل درامي لربع نهائي اليورو على حساب كرواتيا ، ابتسامة خورخي مينديس تتسع بعد مطالعته لغلاف تلو الاخر بينما يتذكر كيف اتى بهذا الشاب مراهقا الى اولد ترافورد ، ثم يأتي جرس الهاتف ليقطع حبل الذكريات ، على الطرف الاخر شاب يتحدث الانجليزية بلكنه شرق اوسطية لكنها ليست من الرعاة الخليجيين ، الرجل يعرف نفسه كعضو في ادارة ناد مصري لايبدو خورخي متآلفا مع سماع اسمه ، والرجل لا يطلب لاعبا من انجولا او مساعدة في البحث على ناشئ موزمبيقي في الدرجة الثانية البرتغالية ، الرجل يبدو جادا ويطلب باختصار

"نريد جوزيه مورينيو لفريقنا!"

جدية الشاب المصري البريئة تمنع مينديس من الضحك بصوت عال ، لكنه يفكر للحظة انه حصل على "اشتغالة" اليوم للمو ، يواصل الحديث مع الرجل ويطلب منه اعادة اسم النادي ليقيده على ورقة الى جواره،ثم يعده بجدية مصطنعة بالرد عليه في اسرع وقت ممكن ، ينفجر ضاحكا بعد اغلاق الخط ثم يطبع حروف اسم النادي على جوجل ليجد امامه صورا لفريق ابيض تجاوز عمره المائة عام بلاعبين لايعرف منهم احدا ، لكنه يلاحظ من صور جوجل انهم واجهوا اتليتيكو مدريد يوما ، يبحث عن صاحب الصورة المتكررة في نتائج البحث بوجهه الغاضب المكسو بنظارة شمس كبيرة في الغالب ليكتشف انه رئيس النادي ، الرجل الذي يكتشف ايضا انه غير تسعة مدربين في عامين

يصل للهاتف ليطلب رقم جوزيه مورينيو ، يمازحه كما هي العادة في اول المكالمات بينهما ثم يبدأ في رواية قصة ماحدث قبل دقائق ، يتوقع الضحك من سماعة هاتفه لكن جوزيه يسأله في جدية "الزمالك؟ اليس هذا النادي الذي دربه فيريرا وباتشيكو؟ لقد قرأت انهما رحلا سريعا في "ابولا""

مينديس يرد بان الثنائي هما مجرد ربع الراحلين عن نادي الرئيس الغاضب باستمرار ، يؤكد ضاحكا "تخيل انهم تحدثوا الي من اجلك ، كيف ارد على هذا الصبي؟"

بجدية اكبر وبشكل مباغت ، مورينيو وبعد ان دارت في رأسه اشرطة السجالات بينه وبين باتشيكو وفيريرا في البرتغال ، يطلب من مينديس مقابلة عضو النادي المصري ، يهمس لمينديس بلهجة مستفزة " اسمع ، انا لست كخايمي ولا جيسوالدو ، سأذهب الى مكان لم يصل اليه احد قبلي وانجح"

مينديس يغلق الهاتف بينما تسقط ضحكاته المجلجلة فنجان القهوة على صحف الصباح

اليوم الثاني

ليل داخلي – مدريد

بينما تواصل لجنة اختيار مدرب الزمالك الاجنبي -المكونة من مجموعة من الاسماء التي لا تظهر على الساحة الا مع تشكيل لجان اختيار المدير الفني الاجنبي- نفض التراب عن سير ذاتية لمدربين قرأوها لتسع مرات على الاقل ، يصل في الوقت نفسه دون علمهم وفد من ابناء رئيس النادي واصدقائهم للقاء مينديس لتبدأ المفاوضات الجادة من طرفهم ، والتي لا تزال هزلية من طرف امبراطور وكلاء الكرة في العالم ، كان فد اتصل بسفارة البرتغال في القاهرة التي اكدت له بكل الصراحة : من اراد ان يأتي للقاهرة فليأتي على مسئوليته الشخصية

ضحكات مينديس الساخرة تتحول سريعا الى نظرات مندهشة ، الوفد لم يرفض طلبا ماليا لجوزيه ، بقى الاتفاق على المعاونين ، يوضح مينديز ان موكله المميز يعمل مع ثلاثي برتغالي حصد معه كل شيء في كل الاندية ، لكن الوفد يصر على اهمية ابناء النادي في التشكيل ، يحدثونه عن دكة الزمالك الثقيلة التي تضم قائد مصر في مشاركتها اليتيمة في كأس العالم والظهير الطائر في زمن طريقة 4-2-4 والهداف التاريخي للنادي الذي يتنقل بين كل مناصب الجهاز في الشهر الواحد ومدى المامهم بالفريق الذي يساعد اي مدرب قادم ، الاتصالات بين القاهرة ولندن تصل الى حل وسط ، يأتي مورينيو بمساعد و مساعد اخر سيدخل من باب مخطط الاحمال مراعاة لشعور ابناء النادي ، يعود كابتن مصر لقطاع الناشئين ويتراجع الهداف التاريخي للنادي الى اخر مقاعد الدكة ، صورة السيلفي مع مينديس في المقهى المدريدي تنطلق من صفحة نجل الرئيس على انستجرام لتشعل مواقع التواصل الاجتماعي

السبيشيال وان قادم الى ميت عقبة

اليوم الثالث

نهار خارجي – القاهرة

السيارة تصل بعد ساعتين في مرور القاهرة الصيفي المنصهر بجوزيه مورينيو الى بوابة نادي الزمالك ، قرأ كثيرا في رحلة الطائرة عن جماهيرية النادي ، علاقة جماهيره الخاصة به التي تتعدى حدود كرة القدم الى كونه نمط حياة يستمدون ايقاعها من كونهم يشجعونه ، ونظرة واحدة الى كم المنتظرين على البوابة تؤكد له ذلك كله في الاستقبال الرئيس بنظارته السوداء الضخمة وبابتسامة مغايرة لاغلبية صور نتائج بحث جوجل ، المترجم ينقل فخر الرئيس بقدوم المو لميت عقبة في جولة بين الحدائق والمنشئات وحمامات السباحة قبل الدخول لمؤتمر التقديم ، في المؤتمر يخلع الرئيس نظارته ويبدأ هو في الحديث كالعادة متجها لكل الاطراف الذي يبدو وان الحاضرين يعرفونها جيدا ، بداية من المغامرات مع فريق الجامعة والكابتن فتحي مبروك ، رحلة الحكم على عادل امام والاشتباك مع زكي بدر ، صفقات "جينيور" ويوسف حمدي ومصطفى جعفر ، وانتهاء بوصلة السباب على اسم ميدو الذي يلتقطه مورينيو بحكم خبرة البرمييرليج من كل الكلام ليسأل عنه المترجم الذي لم يعرف كيف يمكنه ترجمة تلك الاهانات للانجليزية ، وقفة للتصوير بعد توقيع العقود ثم يؤكد الرئيس انه يقدم للجميع رئيس جمهورية الكرة في الزمالك ، متجاهلا ان جمهورية الكرة للزمالك مر عليها في عامين من عهده رؤساء اكثر من عدد من حكموا مصر كلها في مائة عام

باقتضاب يتحدث جوزيه عن حماسه للعمل في القاهرة وعن اختلافه عمن سبقوه ، ويعد بان يقدم مايستطيع ليصبح الزمالك معه مميزا كما يليق بسمعة اتى بها من اوروبا ، سريعا ينهي المؤتمر ليذهب الى التدريب للتعرف على اللاعبين الذين سيخوض معهم مباراة في اليوم التالي ، يقول له المقربون انه محظوظ بانه يمتلك تدريبا واحدا قبل اللقاء فالبعض اتى مدربا للفريق قبل ساعات ليبيت معهم الليلة فقط قبل المباراة ، يضحك مورينيو لكنه يصر على ان يمضي قدما ايضحك هو في النهاية على خورخي مينديس

اليوم الرابع

ليل خارجي – ملعب بتروسبورت

تدريب واحد لم يكن كافيا للرجل المميز للتعرف حتى على اسماء اللاعبين ، لكن كل هذا ليس مهما ، تعليمات مقتضبة بترجمها رئيس جهاز الكرة المزمن لتشكيلة غابت عنها التغييرات ، وحماس البدايات كان كافيا للفوز بهدفين ، يبدا خلال المباراة في التعرف على ملامح فريق تبدو بصمات فيريرا التي يعرفها جيدا باقية فيه ، حارس مرمى جيد يلعب وخصمه الاول ثقته المفرطة ، ثنائي دفاعي لابأس به متى كان جادا وظهيران متواضعان ، قلب وسط مجتهد لكنه لايمرر جيدا ، اجنحة موهوبة لكن غير منضبطة ومهملة بشكل يقلل من انتاجها الى عبء مؤقت ، ومهاجم يحرث الملعب ذهابا وايابا الى درجة نسيان الوظيفة الاساسية، لكن يبدو ايضا ان اسم الفريق كبير بما يكفي للفوز به والعمل على نفس المسار

كلها اخطاء يمكن معالجتها مع روح جيدة لمجموعة فخورة بالتدرب معه ورئيس نادي يصفق مبتسما من المقصورة ومشجعين بدرجة مصورين جاهزين لالتقاط ال"صور الفخمة"لصفحة النادي على فيسبوك ، الرجل المميز لايذهب للمؤتمر الصحفى بناء على رغبة الرئيس ، مستبدلا اياه بمداخلة قصيرة في مساء الانوار يترجمها المصري الوحيد المتحدث بالبرتغالية الكابتن مجدي عبد الغني و بحديث قصير على هامش فيديو اليوتيوب اليومي لتهنئة اللاعبين بالفوز في غرفة الملابس المصحوب بتأكيدات على رئيس جمهورية الكرة ، احتفاء الجماهير على فيسبوك بتكتيك مورينيو الذي لم يطبقه اصلا ، فيديو ترحيب "الكرة مش مع عفيفي " به على انغام اغنية قمرين لعمرو دياب ،وملايين تصميمات الفوتوشوب التي تجمعه بعلم الزمالك تجعله يتسائل بينه وبين نفسه "كيف رحل باتشيكو وفيريرا بتلك السرعة اذن؟"

اليوم الخامس

نهار خارجي – ملعب حلمي زامورا

لا وقت للراحة اذن ، الاخطاء عديدة واللقاء القادم بعد يومين

جوزيه يدرك مبكرا ان ثمة همهمات بين صفوف التشكيلة ليتسائل عن السبب ويكتشف ان البعض متذمر لتأخر المستحقات ، ليست هذه وظيفته لكنه يبدي استيائا لحظيا من الامر ، قبل العودة للعمل في التدريب يخبر الجميع انه يستمد قوته من كلام الرئيس وان الشارع هو مصير غير الملتزمين ، لم يحدث معه من قبل ان طالبه ماسيمو موراتي في انتر باشراك ريكاردو كواريسما خوفا من حساب الجهاز المركزي للمحاسبات ولم يسبق له ان طلب منه فلورنتينو بيربز ان يشرك جونزالو هيجوان بدلا من كريم بنزيمة نظرا لتعرض الاخير الى عمل سفلي ، ولم يسبق ان رفض لامبارد ودروجبا السفر معه الى برشلونة لتأخر نسبة المشاركات ، لذا يبدو كلامه متسقا مع تاريخه لكنه لايبدو مقنعا لمجموعة اللاعبين حتى وان كان قائله هو جوزيه مورينيو شخصيا ، يبدو الامر صعبا على استيعاب المدرب البرتغالي بالطبيعة لانه لم يكن يوما ممن حضروا اجتماعات الصالة المغطاة المصورة على يوتيوب بعد كل مدرب جديد او بعد كل تدريب او بعد كل فرصة ضائعة او بطاقة صفراء في مباراة كل هذا لايهم ، سنعمل كما نعرف ونترك مالرئيس النادي لرئيس النادي ، لطالما عملت وحدي ضد الجميع ، ومن استطاع ان يجلس خورخي فالدانو في بيته في ريال مدريد كفيل باي احد اخر

اليوم السادس

ليل داخلي – مكتب رئيس النادي

قائمة المباراة المقبلة تخرج للنور ، وتخرج معها تعليقات الجماهير الغاضبة من استبعاد المهاريين الممتعين اللذين يذكرونهم برائحة الزمالك ، يرونهم ما يمثله الزمالك لهم كمتعة بصرية غير هادفة للربح في بعض الاحيان ، ويراهم مورينيو كمواهب جيدة فقط والكرة في قدمها وينقصها الكثير من مقومات كرة الفوز التي اعتاد عليها ، تلك الكرة التي اجبر بها يوما ما هدافا فذا كصامويل ايتو على اللعب كظهير ايسر لايقاف المد الكتالوني القادم من ليونيل ميسي

يدهشه طلب رئيس النادي الاجتماع به بعد المران ، حيث يخبره بعواقب اهدار المال العام المتمثل في استبعاد هؤلاء اللاعبين من القائمة ، يكرر الرجل كلمة "يابيه" دون ان يترجمها المترجم فيقرر ان يسأل عنها في وقت لاحق ، ويتذكر كيف اتى الى تشلسي ليبيع خوان ماتا الى مانشستر يونايتد الغريم المباشر دون ان تصله ولو رسالة نصية من رومان ابراموفيتش ، يبدو انه لم يقرأ جيدا حوار فيريرا في "ابولا" ، يدرك انه ليس سوى رئيسا صوريا لجمهورية الكرة الهزلية ، لكن ليس جوزيه مورينيو ذلك الرجل الذي يغادر فريقا يدربه قبل يوم من المباراة ، اللقاء ينتهي بوعد باجتماع لاحق بعد المباراة لمناقشة الموضوع، مع فيديو معتاد لليوتيوب يجدد فيه الثقة بالسبيشال وان البرتغالي

اليوم السابع

ليل خارجي – ملعب بتروسبورت

دقائق للتصوير على الدكة ثم يبدأ اللقاء ولاشيء يبدو في مكانه ، الشناوي يطير للكرات وكانها حمام يسقط من السماء ، حازم امام يدور حول نفسه كنحلة فيلم "انسيبشن"، احمد دويدار يتكفل بتوصيل هجمات الخصم للمنازل ، طارق حامد ينتشل نجيل الملعب من جذوره دون ان يفتك الكرة ، تمريرات احمد توفيق تصيب الزملاء في مقتل ، ثم فجوة هوائية في جبهة محمد عادل جمعة تنتهي بهدف للمنافس

الاصوات القادمة من المقصورة قد لا تكون مفهومة، لكن لرجل من بلد متوسطي كالبرتغال يبدو معناها مفهوما ، الايام القليلة في القاهرة تصنع شيئا من الالفة مع اللعنات المحلية ، ورقة يستلمها من احد المعاونين المحليين بخط يعرفه جيدا تحتوى على تغييرات مطلوبة يركلها بعيدا ، ثم يتذكر نصيحة استاذه بوبي روبسون عن التركيز في المسطح الاخضر ، ويبدأ في محاولات الاصلاح

الوقت يمر وكهربا يواصل محاولة اختراع هجمة يمر فيها من دفاع الخصم الذي يأمل ان يتحول بقدرة سماوية الى اقماع بولينج تتساقط امامه ، باسم مرسي ينتظر ان تسقط امامه كرة بالونية من علي جبر ليسجل هدفا ، حمودي يحاول بخجل طالب مدرسي يلعب وهو خائف من يفتضح امر قميصه المتسخ في البيت ، والحكم السعيد بالاجواء البركانية التي شاهدها تتكرر وهاهو يعيشها يطلق صافرة النهاية ، بينما يستمع الى معزوفة من الاصوات الانفية القادمة من المدرجات

قبل ان يصبح ضحية لتحليلات الاسطى في منتصف الملعب و لمفردات التمركز الموضوعي في الملعب ، وقبل ان يذكر الرئيس الجماهير في مداخلة مع خالد الغندور بان هذا هو حال البرتغاليين بدءا من مواطنه باتشيكو الهارب بعلبة الحلاوة ، وقبل ان يجد نفسه متهما على الفيسبوك باستبعاد مصطفى فتحي وهو الذي اجلس ايكر كاسياس بديلا لعام في ريال مدريد ، وقبل ان يكون بطلا لفيديو يوتيوب جديد يعد تجديد الثقة فيه بدون مساعديه وبمنصب رئيس الجهاز الفني ، يطلب جوزيه مورينيو رقم زوجته ماتيلدا مطالبا اياها باعادة حقائبها الى المنزل اللندني ، بينما يرد عليه خورخي مينديز ضاحكا كضحكته الاولى قبل اسبوع، مطمئنا اياه ان طائرته الخاصة تنتظره الان في مطار القاهرة

مروان قطب

Comments ()

في حب السينماتوجرافيا الرديئة

Written by
Published in مروان قطب
الأربعاء, 02 آذار/مارس 2016 18:33

بعيون مرهقة بعد دقائق الصراع غير المتكافيء في معظم مجرياته مع مدافعي السنغال ، ينظر لضوء احمر يشكل رقم 15 يظهرعلى لوحة التغيير ، بانكار مذهول ينتظر قبل ان يتحرك ان يصحح الحكم الرابع ماظنه خطأ في الرقم ، لكن المذيع الداخلي للاستاد يؤكد انه لم يكن خطأ ، الدهشة تتسرب الى المدرجات التي –للحظة- تهتف باسمه في محاولة لابتلاع تغيير بدا غير مفهوم للجميع ، لكنه يقرر ان يختار لنفسه المشهد الاسوء ، يشيح للجميع مستهينا باللحظة بينما يصيح معلق اليوروسبورت بالانجليزية "هل يمكنكم ان تصدقوا مايحدث ؟ انه جنون" ، كان وحده من قرر بكامل ارادته ان تتحول الهتافات باسمه الي صيحات مطالبة اياه بالخروج ، ليعاقب سريعا بهدف فوز يسجله من اول لمسة بديله المغمور وقتها يضعه في كادر لم يتخيله يوما ايمانويل لوبيزكي بطل اخر ثلاث نسخ لسينماتوغرافيا الاوسكار

نفس الارادة في التقاط الكادرات السيئة التي تعلق بالاذهان هي من شكلت مسيرته في اغلب الاوقات ، ان تخرج من انجلترا بعد مغامرات مابين النجاح وشبه النجاح والمسيرة العادية ثم تقرر ان تعود اليها بوزن زائد وراتب كوميدي يصبح فيما بعد اهم مايمكن روايته كعلامة للقصة، ان تختار متطوعا المشاركة في هيستيريا مباراة الجزائر بعد ان انتهت مسيرتك في الملعب مع المنتخب ، زميل ابراهيموفيتش السابق يتحدث في برامج التوك شو عن"بابا حسن شحاتة" الذي سيشرك متعب على حسابه في الوقت الذي يحسم فيه ابرا الدوري الثاني له على التوالي مع انترناسيونالي بهدفين في اخر نصف ساعة ، نفس التطوع في الكادر السياسي الرديء من مظاهرة تأييد مبارك في مصطفى محمود يوم موقعة الجمل الى عبارات التأييد لاسماعيل الشاعر على تويتر ، ان تعود للزمالك ثم تغادر الى الف جنيه استرليني اسبوعيا يدفعهم فريق يتاهب جيافرانكو زولا للهبوط به ، ثم تعود مجددا للزمالك مطالبا الجميع بالصبر على الوزن الزائد فينتهي الحال الى الاستبعاد من القائمة الاولية مع ناشئين كالقطاوي وحسن يوسف ، اسوء كادر يمكن ان يوضع فيه شخص لعب يوما ما مع ديديه دروجبا في صيف 2012 ، بينما كان دروجبا يعود بكأس الشامبيونزليج من قلب ميونخ

الوفاء للكادرات الرديئة يتواصل بعد الاعتزال بشكل غير مألوف ممن تأثرت مسيرته بالملل السريع اكثر من اي شيء اخر ، دكة الزمالك تفتح ابوابها لاول تجربة له في التدريب على الاطلاق ، في محاولة ربما لتعويض مافات من تاريخ كان يجب ان يكتب على ارض الملعب ، يصطف الجميع مقتنعا كان او مشككا في قدرته على الصمود في مهنة تحتكر ثلثي "حرقة الدم" على الارض خلف فانتازيا الوصول لنجاح سيكون القليل منه معه تعويضا عن خيبات الامل في بطعم افضل من نجاح اكبر مع غيره ، كل معطيات المنطق يرفضها شغف الزملكاوية بتتويج سعيد لقصة حب فاشلة بدأت بالمغادرة لبلجيكا بعد اول هدفين في الفريق الاول وانتهت بركلة جزاء ضائعة امام بتروجت اضاعت موسم العودة ، لكنه يختار منذ البداية ان ينصر المقصورة ظالمة او مظلومة، يظن ان الطريق يبدأ من ابتلاع مداخلات نقد التشكيل بصور السيلفي مع من وصفه بنفسه بافضل رئيس في تاريخ النادي في جلسات مابعد كل هزيمة ، لكن طريقا يبدأ بتلك الفكرة لايمكن الا ان ينتهي بك ككبش فداء بقى مأسوفا عليه وقتها لعدة اسباب كان اخرها كأس جرى في كل الاتجاهات هاتفا باسم الزمالك بعد الفوز به ، يذهب للاسماعيلية بنفس حماس البدايات المعتاد ليجبر الكثيرين على متابعة تجربة تشبه مايقومون به في البلاي ستيشن ، لكن الوفاء للمشاهد الهزلية يتحول الى رغبة في تفجير الذات في البلاتوه ، يفجر نفسه في موسم الاسماعيلي باختيار يعلم نتيجته قبل ان يطرحه ، ثم يعود لكتابة النهاية في مشهد الزمالك الذي تركه مفتوحا في جزئه الاول ، وكأن شيئا قد تغير فيمن ضحى به من قبل رغم كل خطوة اقترب بها منه على حساب الجمهور ، يدخل الجحر للمرة الثانية ليلدغ منه كما يجب ان يرى اي عاقل وينتهي به الامر ملدوغا لكن دون ان يبكيه احد ، بعد قدم كل ما يضمن له الا يجد من يأسف عليه هذه المرة ، لم يعد يعنيهم من ينتصر في تلك المعركة التي لم يعد للزمالك فيها مكان سوى بربط اسمه بكل ما يمكن وصمه به من السحر الى اسرائيل مرورا بالخرابات والخرارات بحثا عن نصر غير حاسم في مشهد رديء هو الوحيد الذي يمنح كل اطرافه اسبابا للاستمرار على الواجهة ، لم يعد من ذهبوا يوما ما لاستقباله في مطار القاهرة يكترثون بمصيره بعد ان تحول طواعية لدون كيشوت لفظته طواحين الهواء بعيدا في معركة اجلها هو بنفسه حتى يخسر كل من يمكنه الوقوف بجواره فيها باختيارات بدأها متطوعا ، بينما لم يكن يدرك انها النهاية متروكة في مادتها الخام

مروان قطب

Comments ()

في رائعته الخالدة "مائة عام من العزلة" يتحدث الراحل ماركيز بهيبة عن مجزرة الموز ، الاف المضربين من عمال شركة الموز التي هبطت من مكان ما على ارض قريتهم ، ينتظرون في المحطة قطارا رسميا سيصل فيه المسؤولون الذين سيفصلون بينهم وبين الشركة التي قررت اكل قوتهم ، لكن القطار لايصل ابدا ، الا ان الحل الجذري كان حاضرا على اي حال... رصاص المدافع المتمركزة يحصد الجميع في وقت واحد دون ان يتيح لاحد ان يسمع انات موت من بجواره ، فيما عدا طفل سيبقى يروي لبقية عمره – دون ان يصدقه احد- انه رأى بأم عينه الملازم الذي القى بيانا حكوميا يصف المضربين بالمخربين ، ويخول القوات اطلاق النار عليهم ، بينما كان محمولا على كتفي حفيد مؤسس القرية ، الذي لم يشعر بنفسه سوى بعد ساعات من المجزرة ، مستلقيا فوق جثث الالاف المشحونة في قطار يتجه لالقائهم في البحر كدجاج نافق...

يقفز جوزيه اركاديو الثاني من قطار الموت محاولا العودة الى القرية ليبحث عمن يتحدث معه عن الامر ،فلا يجد من يعلم به من الاساس، ليس الخلاف على الروايات او التبرير هو مايجد ، بل نفي انه حدث بالاصل ، الكل في بيته محتميا من المطر الذي استمر منهمرا على قرية "ماكوندو" لما يزيد عن اربعة اعوام ربما ليغسل دماءا لم يرها احد ، او ربما اتفقوا دون ان يجتمعوا على انكار انهم راوها

هكذا كانت ليلة الثامن من فبراير قبل ثلاثمائة وخمسة وستين يوما من اليوم في طرف اخر لايقل بؤسا من هذا الكوكب ، كان الجميع على استعداد ليسكب المياه على الدم حتى يبدأ الكل في ال"تسييق" ليعود الاسفلت للونه الاسود ، مدعوما بذلك التواطؤ المقصود من لاوعي تم سحقه بالاعتياد على الدم في تلك المدينة الرمادية المترامية الاطراف بشكل مهين لا يكترث لابك ولابغيرك ، كانت كل انواع الدم قد سالت بكل الطرق حتى تحول مقتل عشرين شخصا تحت اقدام مفزوعة في قفص لايصلح لتربية الدجاج لا لشيء سوى انهم اختاروا القدوم لمباراة كرة قدم الى شيء يبعث على بعض الارتباك ليس اكثر من ذلك ، ارتباك يمكن مناقشته في اطار السؤال عن كونهم كانوا يحملون تذاكر كانت مرفوعة في الايادي في وجه المدرعات المتمركزة خلف الاسلاك الشائكة من عدمه او عن كون اشخاص ك"عم امين" الريفي الخمسيني او هالة الحبيشي الطالبة التي لم تكتب في الصفحة الاولى من دفتر حياتها سوى شعار الزمالك ينتمون للالتراس من عدمه او عن مواقف عمر جابر المرتبك في حد ذاته في حلقة وائل الابراشي ، ارتباك متواطيء يصل بعد عام الى اعتبار نقل مباراة القمة في الدوري الذي لايحضره احد الى مسرح الحادثة بعد يوم من الذكرى الاولى انتصارا لادارة الناذي سحقت جماهيره على بوابة الاستاد نفسه قبل عام ، تواطوء حول ماساة متكاملة الاركان الى مجرد حدث يمكنه ان يأخذ المساحة اليومية في السوشيال ميديا و التوك شو لا اكثر ولا اقل دون حتى ان تحصل على الملحمية التي حظيت بها احداث مشابهة سبقت، بانتظار ظاهرة جديدة تملأ اليوم التالي ونواصل فيها الاستعراضات اليومية كبهلوانات سيرك ماتت حيواناته ..

حالة التماهي مع الموت والتواطؤ بلا خجل ضد فداحة ماحدث في ممر الموت ، لم تكن سوى اعلان للهزيمة لروح انسحقت للابد تحت وطأة اعتياد الثنائية الكلاسيكية الهابطة لافلات الفاعل في هذه المدينة التي ادمنت الاجهاز على الضحية المذبوحة ،حتى اصبحت عاجزة حتى على الاشارة لمن لا تزال اثار الدم في ايديهم ، ما تبقى من روح لايكفي سوى لليأس وكل الاحتقار لمن قدر لنا ان نعيش على نفس الارض معهم ، الى ان نموت وحدنا بغيظنا في كل الاحوال...

لكن كل الخذلان الذي لقاه من احتشدوا يوما في قفص الموت في مواجهة فصيل الاعدام لا يمنع انهم–على اي حال- اكثر حظا من جوزيه اركاديو بوينديا الذي ظل يروي للجميع دون ان ينتظر تصديقا من احد انهم قتلوا ثلاثة الاف حتى كانت اخر كلامه من الدنيا ، فاذا كانوا سيرحلون يوما اخذين معهم حكاياتهم عن ترتيبات الرحلة التي خططوا لها بكل الشوق للقاء الزمالك ، واذا كانت الملابس التي اختلطت عليها الدماء برائحة الغاز الذي اسال الدم بعد الدموع ستبلى يوما ما ، واذا ظلت المدافع مستديرة للوراء كما حذرنا منها دنقل يوما ما ، فان اغاني الممر للزمالك الذي هو الحياة والروح كما رأوها وسط الالاف المحتشدة في قبر حديدي ستبقى للجميع شاهدة على ماحدث ، قبل صرخة "افتح بنموت" التي لا تصلح على هذه الارض سوى ان تكون صلاة للسماء من اجل الخلاص

مروان قطب

Comments ()

في ليلة فض الاشتباك مع الانتظار والتصالح مع عبء الامل , وبينما يرفع قائد الفريق كأسا تكمل ثنائية لم يرها تكتمل هو منذ ولد..كان وحده هو من تقع عليه العين في النظرة الاولى لصورة التتويج... متلحفا بعلم ابيض كان يحضره رغم كل السيناريوهات الصادمة التي جالت بذهنه في حافلة الفريق المتجهة للتجمع الخامس , مخرجا لسانه للكاميرات وللمنطق ولكل عقد الماضي المتهشمة في ملعب بتروسبورت , لم يكن يدرك حجم ما حدث للتو , تاريخ الزمالك الذي لايتذكر كثيرا من يقفون تحت العارضة ولا يضم من حراس المرمى بشكل خاص سوى اسمين او ثلاثة على الاكثر , سيتضمن لقبه المكون من ثلاثة حروف كعنوان لصفحة اثنين الخلاص من اخر اشباح كهف مظلم لم يصبح ماضيا بالكامل الا بعد صافرة جوناس أريكسون

لم يعد يكترث كثيرا بذلك الوصول الفاتر لملعب زامورا قادما من الاسكندرية في يوم لا يتذكره احد من ايام العام 2011 , ظل الاساسيين الذي اعتاد الحياة فيه ,الارتياح الممتزج بخيبة الامل من المشي مجهولا في الشوارع كلاعب في الزمالك لا يعرفه احد ويختلط الامر على الناس بينه وبين اصدقاء اللاعبين, كل الايام التي غادر فيها المعسكر ليلة المباراة ليتابع اللقاء بعيدا حتى عن دكة البدلاء محروما حتى من احتفالات مابعد الاهداف مع الزملاء الاساسيين , لم تعد ليلة التألق الاولى عندما خرج ليواجه المجهول في المغرب على ملعب فاس بقميص بنفسجي و التي بقيت لسنوات كقصة قصيرة وحيدة يمكنه حكايتها تعني شيئا امام دقائق الشهرة العشر في ركلات الجزاء في ليلتين نفض فيهما التراب عن روحه على ملعب الاسكندرية , لم يعد يتذكر كيف واصل انتظار فرصة العمر بلا يأس ولا امل حتى اتته تلك الفرصة في صورة قنبلة موقوتة انفجارها يعني تحوله الى نكتة تتداولها الاجيال ,كيف قرر دون اختيار منه ان يتعامل مع تلك القنبلة بنفس عدم الاكتراث بضربات الجزاء بعد تقسيمة على ملعب النادي الاوليمبي ..

,فيما وصفته فيروز يوما ما باخر ايام الصيفية، يدخل محتفظا بتلك الاطلالة التي لا تصدر للوهلة الاولى الكثير من الثقة لدى الجماهير بقدر ما يدخل محتفظا في الوقت نفسه بتلك الخفة التي لا يمكن الحفاظ عليها دون ادراك ان شيئا ما يرحل بلا رجعة عندما تختفي تحت مطرقة الضغوط , لانه ببساطة في الزمالك, حيث تكفي ومضة واحدة من الجنون في ثانية واحدة تبعث اليوفوريا لسنوات في اذهان المشجعين من اجل الخلود , حيث التاريخ ليس ملكا للجبناء عابري السبيل واكلة العيش من انصاف المواهب التي تركض كفئران تجارب لا تعرف سوى تلك العجلة التى ولدوا ليركضوا بداخلها ، الزمالك الذي لاينقصك في الحياة معه الخيال لاكمال الرحلة ولو احتكر بمفرده في مقابل ذلك ماينتجه جسدك من ادرينالين ، بلا خطة واضحة وبلسان موجه لكل معادلات المنطق ، وفي غياب كل البروتوكولات المرتبطة بدخول التاريخ يدخل محمود عبد الرحيم لائحة الخلود في تاريخ الكيان الوحيد الذي يمكن ان تتسع مخيلة جماهيره للصعاليك الذين لا يمكن اخذهم على محمل الجد مهما بلغت قيمة ما يفعلونه كجوكر يقضي على باتمان دون ان يدري، بقدر ما تتسع للبارونات القادمين من سلالة يحيى الحرية امام ، لانه الزمالك الذي يمنح على اي حال الحياة لمن استطاع اليها سبيلا

مروان قطب

Comments ()
الصفحة 1 من 3

المباريات المقبلة

zamalek.tv

Connet With Us

اتصل بنا

Tel: 00201001230617

Email: عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

Website: http://www.zamalek.tv

 

Our Sponsors