خلف شرفة الباكينجهام

Written by  عمرو جمال
Published in عمرو جمال
الجمعة, 25 أيلول/سبتمبر 2015 01:36
Rate this item
(7 votes)
جيزوالدو فيريرا جيزوالدو فيريرا خلف شرفة الباكينجهام

Advertisement

 

أحتراق تبغ الدانهيل لا تزال رائحته ترافق أنفاسه...

العين المرهقة تعجز عن رؤية ضوء المصابيح في نهاية النفق..

الأصابع تضغط علي هاتفه الذكي بحثاً عن عناوين أفتتاحية صحيفة الـ”Record” البرتغالية ليوم الغد..

صرير أحتكاك أطارات الـ “BMW” يلامس طبلة الأذن بنعومة تعكس مدي براعة صانعيها قاطني شرق نهر الراين...

الجدران الأسمنتية تردد صدي أصوات أبواق السيارات المجاورة التي تدق أجراس الأحتفال بأثنين الخلاص...

أعلام و قمصان ملكية علي مدي البصر يردد حامليها وهم غارقين في اليوفوريا الخاصة بهم أناشيد وترانيم النصر...

يستطيع أن يميز بوضوح أنبهار سائقه الخاص في المقعد الأمامي بقيمة أنتصار الليلة المرتسمة علي كل ما تصادف المرور به حتي الأن..

أجواء شبيهة تماماً بما عاصره في بورتو صيف 1987 بعد صعق البافاريين في أرنست هابيل و تتويج صديقه أرثر جورج بطلاً لأوربا..

 

أكثر من ربع قرن قد مر منذ الذكري الأخيرة التي مرت بعقله..

نظرة خاطفة الي المرآة الجانبية تكفي ليذكره شعره الفضي بسنوات عمره التي قاربت علي أكمال عقدها السابع..

ربما لما يبقي سوي عام ميلادي واحد يفصله عن موعد تقاعده و أن يترك كل ضغوطات العمل ليصبح همه الأكبر حضور قداس الأحد في كاتدرائية لشبونة..

يحمل لقب بروفيسور و أسم جوزيه مورينهو مُدرج ضمن قائمة تلاميذه القدامي في الثمانينات...

للتو قد تم كتابة اللقب الثامن في مسيرته كمدرب محترف...

من سيكتب سيرته الذاتية سيحتاج أن يطوف العالم شرقاً و غرباً كي يعرف حقيقته التي لن يشهد بها سوي لاعيبه السابقين..

لن ينال ثناء الجمهور و الصحافة و اللاعبين فلم يقترب أحداً بعد من فيرجسون و مورينهو..

لا تجد علي”YouTube”  مقاطع له تعكس شخصية يمينية متطرفة حادة المزاج مثل فان جال...

ليس المدرب الثوري الذي يضع صورة كبيرة لجيفارا داخل غرفته لا ليس مارسيلو بيلسا بالتأكيد..

لن تمر بجانب حجرة ملابس ذات يوم لفريقه قبل مباراة كبيرة لتجد نفسك تستمتع لأعادة ما قاله ألباتشينو في “Any Given Sunday” مفجراً لترات من الأدرينالين في الغرفة..

ستري فيه بعضاً من صفات ديلبوسكي وربما لويس أراجونيس..

عجوز أوربي أرستقراطي..

المرور بمعاناة أن تعني فجأة نقطة واحدة يتيمة كل شيء بالنسبة لك ولعائلتك وهي تلك التي منحته أول ألقابه مع التنانين في موسمه الأول هناك..

الغرق أحتفالاً تحت أمطار من الشامبانيا الألمانية رفقة مساعده روي باروش ليلة دخولة التاريخ كأول مدرب يحقق الدوري ثلاث مواسم متتالية...

التعايش بسلام مع شهرة لا تتجاوز حدود أبناء جلدته ليتساءل مصوري الويفا عن من يكون هو الجالس علي يسار فيرجسون في وقت ألتقاط الصورة الجماعية لأفضل مدربي القارة منذ سبع سنوات...

تجربة أن تكون الضحية لأفضل هدف في مسيرة كريستيانو رونالدو الذي لم يستوعب سرعته بعد من جلسوا في الصفوف الأولي للكورفا نورد في الدراجاو وقتها...

الجانب الجيد عنه سيرويه فالكاو و هالك وليس رئيسه العجوز بينتو دا كوستا أو الكابو الخاص بألتراس “Super Dragaoes” ...

أرث لا بأس به للرجل الذي تنتظره زوليميرا علي بُعد كيلومترات ليوفي وعوده بدعوة العشاء التي أصبحت جزء من تقاليد رحلة زواجهم الكاثوليكي الأبدية بعد كل تتويج في مسيرته..

 

الذاكرة تعود قليلاً الي الخلف بضعة ساعات ليس ألا...

القديس بطرس يستعد لأعلانه مذنباً للمرة الثانية ليتركه يواجه مصيره في الدرك الأسفل من جحيم دانتي أليجري..

الطائرة العائدة الي لشبونة فجر الغد تنتظره بنسبة كبيرة بعد أن يوقع كاليجولا علي قرار رحيله كما هدد منذ ساعات...

حاملي القمصان الملكية في أنتظار مواجهة معتادة أجبارية أمام تزعزع أيمانهم الراسخ...

شاهدهم بنفسه وكيف كانت مقولة  "سنظل أوفياء حتي تبتسم لنا السماء" تؤاخيهم في أحلك عتمات الخسارة...

البعث من وسط الرماد بهدف بعد 90 دقيقة من أنتظار نصف الفرصة أمام الصفاقسي...

أدرك أن خوفهم ليس من الهزيمة بل الفزع أن تكون الليلة نهايتها فقدان الأيمان بالحب هذه المرة ..

وأن لا يعود بالأمكان أستعادته مطلقاً...

 

خوف هؤلاء الذين يحول دون وقوعهم في دوامة وسط المحيط خيط رفيع واه و تراهم يرتجفون خشية من انقطاعه..

كان موعداً للشك, و وقتاً للأيمان..

الأيمان بقائمة الأسباب التي تندرج تحت تصنيف الميتافيزيقيا التي لا تنفك أن يتم تدوالها علي بوابات الخروج من مدرجات رومانية أحتضنت مواجهات هامة كانوا هم طرفها الخاسر...

لا يلومهم كثيراً بعد ما عاصره بنفسه من ضحايا لعنة بيلا جوتمان الذي توعد بنفيكا بعدم تحقيق المجد الأوربي لمئة عام قادمة ليخسر بنفيكا النهائي الثامن علي التوالي وتظل اللعنة حية منذ 1963 ...

 

في يومه الأول هنا وضعه القدر شاهداً علي فاجعتهم الكبري في تراجيديا واقعية تنافس خيال جورج مارتن الذي صعق ملايين من من شاهدوا مذبحة حفل الزفاف الأحمر في عمله التليفزيوني البريطاني الشهير...

مشاركة عزاء فاجعة أو أنتكاسة جديدة مرة أخري مع هؤلاء يزداد صعوبة بل ويقترب من كونه فعلاً مستحيلاً..

الحادي والعشرين من يوليو للعام الأخير واجه أنتكاسته الأولي و الوحيدة حتي اللحظة معهم..

الخروج محصاراً وسط غابة موحشة من نظرات الدهشة و الصدمة و الخوف و الأنكسار لازالت النفق المظلم في رحلته هنا..

كي يعيد تخيل تفاصيل ما حدث سيحتاج لمساعدة المخرج البريطاني توم هوبر ليحدثه كيف أستطاع رسم نظرات كتلك علي وجوه الحاضرين في مدرجات ويمبلي أثناء تصوير الفيلم الحائز علي أربعة جوائز أوسكار "The King's Speech" ...

الفريق المتوج فلكياً بالدوري قبل نهايته بأسابيع كان يستعد لألقاء خطاب النصر علي مشجعيه فأذا بالأمور تنقلب ببيان لنكسة قوية جديدة...

 

يدرك الأن انه لربما كانت تلك التحفة الفنية البريطانية المبنية علي وقائع حدثت بالفعل هي حقاً أجدر من ينقل صورة ما حدث من البداية حتي لحظة الخروج وسط تلك الأجواء الصاخبة...

الأمير ألبرت يجد نفسه مرغماً جالساً علي العرش مدعوماً بلقب الملك جورج السادس و مواجهاً لأكبر محنة في تاريخ الأمبراطوية..

كان قد نشأ و كبر و كبرت معه مشكلة حياته المزمنة وهي عدم القدره علي النطق بشكل صحيح...

محاولة مواصلة الحديث تصل به الي حد أبتلاع الكلمات..

ليس هذا بعد أسوأ كوابيسه..

الشيطان المسمي بأختراع البث الأذاعي حينها ينتظره ليلقي به في متاهة لا سبيل للخروج منها..

مواجهة واحدة بينهم قبل أعلانه ملكاً بسنوات جلبت له ما يكفيه من أحساس الخزي لبقية حياته...

عام 1925 ,مدرجات ويمبلي أنتظرت الأمير ألبرت ليلقي خطاب القصر في حضور صفوة المجتمع الأنجليزي...

عجز عن نطق كلمة واحدة كاملة...

سماعات الملعب التاريخي نقلت فقط حشرجات متعثرة للحضور..

نظرات الدهشة و الصدمة تجاهه من شعبه يومها لا تزال تحتل دور البطولة في كوابيس ليالي القصر المظلمة...

لم يكن بياناً للقصر بل أعلاناً صريحاً بأنه لا مستقبل أمام الأبن الثاني للملك جورج خامس وأن توليه العرش هي كارثة حقيقة..

الملك سيظل هارباً من مطاردة شبح ذاته..

حتي يظهر ليونيل لوج ...

رحلة طويلة قطعها جورج السادس من خطاب ويمبلي الكارثي ثم ظهور معالجه الأسترالي في حياته فخطاب أعلان الحرب الشهير في سبتمبر 1939...

سيارته الفارهة تحجب أنظار المحتفلين عن بطل من خلف الستار كما حجبت شرفة باكينجهام أنظار الأنجليز عن ليونيل لوج وقتما أستطاع ملكهم الخروج والتلويح بكبرياء يناسب أمبراطوريتهم بعد خطابه التاريخي بلحظات...

 

دوي أصوات الألعاب النارية في سماء القاهرة يقطع حبل أفكاره...

معطيات الماضي القريب للغاية لم تكن لتبشر بسماع أصوات كتلك أحتفالاً بفوز فريقه...

ثماني أعوام قد خلت منذ تحقق أخر فوز ملكي علي الحُمر..

أحد عشر عاماً مرت دون أن يحظي درع الدوري بشرف كتابة حروف الزمالك فوق هيكله..

سبعة وعشرون هو عدد السنين التي مرت دون أن يجتمع الدرع و الكأس تحت سقف نادي فاروق الأول...

الخسارة تعني نظرات من الغضب و الأنكسار و الحسرة بل والشفقة من حاملي القمصان الملكية تجاههم...

الأصابة الجماعية بالبارنويا قبل الدقيقة الأخيرة التي تفصلهم عن تحقيق أي أنجاز أو فوز علي خصمهم التاريخي..

المطلوب هو القفز فوق حواجز نفسية متراكمة النظر أليها كمن ينظر الي قمة سور الصين العظيم ولكن من أسفل نقطة في قاعه...

عقول تعجز عن أدراك حقيقة كونهم أحد عشر لاعب فوق الميدان وليسوا الأحد عشر عاملاً روسياً في المأساة التي جسدتها ألوان أيليا ريبين علي لوحتة الشهيرة "Barge Haulers on the Volga"...

تلك كانت بعض من أفكار و أرقام قاتمة تتحول الي أكياس من الرمال في أقدام لاعبيه قبل مواجهات الديربي..

العجز الأبدي عن هزيمة أشباحك كان ما يتشارك به معهم واحد من من جلسوا علي عرش بريطانيا...

ولكن هذا كله من الماضي الأن يستطيع أستبداله بحاضر باهر يعترف بروعة ما تحقق...

 

لتحقيق ثورة هدم أصنام كروية ظلت علي قيد الحياة أكثر مما يُفترض كان عليه المواجهة بزمالك يبدو للجميع أكثر نضجاً..

فريق يدور في فلك أنسيابية كرة كارلوس و متانة دفاع وقوة شخصية لفريق يقوده الجوهري...

أستبدال أستراتيجية اللا شيء في المواجهة السابقة بقرار محاكاة بداية يواكيم لوف النارية في مواجهة أصحاب الأرض في سباعية زلزال بيلو هوريزونتي الشهيرة...

3-3-4 تقليدية تثير حنق مشجعيه أكثر مما تعطيه من سيطرة فوق ثلثي الملعب...

تعليمات صارمة بخروج الكرة الي أقدام جناحي الفريق في كل مرة في أنتظار فرض شخصية الفريق من خلالهم..

الرهان علي أنه بمجرد سيطرة مكوكي الوسط علي سرعة رتم و أتجاه التمريرات فسوف نحظي بالوقت للتفكير ومن ثم الأيمان بأمكانية الفوز علي الحُمر ...

 

لم يخالف رغبة روحه وعقله و قرر أن يستمر الحارس الثالث أساسياً في نهائي البطولة ضد كل منطق عرفته كرة القدم ...

ليأتي الحارس بدوره ويحقق نبؤه كبير المشجعين عشية ليلة المباراة علي شبكة الأنترنت بأنه سيكون سيرجيو بجويكوتشيا الخاص بنا وسيبهر الجميع كما حدث في مونديال أيطاليا 1990 مع الأرجنتين كحارس بديل قبل بدايته ..

 

حائط صد جماعي ظهر من العدم أمام المرمي متصدياً لأخطر فرص الحُمر في لقطة لم يعتاد رؤيتها ألا في كلاسيكيات الأتزوري و تذكر مشجعي تشيلسي بحائط صد مثيل تكون في مواجهة القديسين في أعياد الكريسماس منذ عامين ألا قليلا..

في النصف الثاني من المواجهة يقرر أعادة أحياء كاتيناتشو هيلينيو هيريرا مع الجراندي أنتر كما فعل سلفه البرازيلي كارلوس كابرال في ليلة المجد في كازابلانكا منذ ثلاثة عشرة عاماً مضت...

تعليمات بترك الكرة بين أقدام الخصوم ليتبادلوا بها تمريرات ثرثارة تعبر في ظاهرها عن سيطرة وهمية ولكن مضمونها هو العجز الكامل...

 

وزير دفاعه يستلهم روح قلب الأسد في كازابلانكا ديسمبر 2002 و ينجح في حماية سماء منطقة جزاء فريقه طوال الوقت..

 

صاحب القيمص رقم 14 ينثر السحر ويراوغ كل من في الملعب أو أمام الشاشات....

متحدياً الجميع في أن يتوقع أحدهم ماذا يدور بعقله في اللعبة القادمة وكأنه يعزف علي ألحان أغنية " Read My Mind" للفريق الغنائي الأمريكي الشهير “The Killers”...

 

مهاجمه الأوحد يتقمص شخصية رابح مادجير في نهائي فيينا أمام الحارس البلجيكي جان ماري بفاف ...

موقعاً بالأحرف الأولي علي هدفي الخلاص...

محتفلاً بطريقة تدفع ربما شركة "Adidas" لألمانية للتفكير في ضمه الي حملتها الدعائية الشهيرة “There will be Haters”...

 

قائد الفريق يحتفل قبل النهاية بدقائق خمس كاملة مع مادجير تلك الليلة...

بينما الحسرة ترتسم بأبهي صورها علي زميلهم السابق شاهداً علي لحظات أعتراف ضمني بموته الخاص..

شعر وكأنهم يخبرونه بأن يسير نحو مصيره المتواضع أما هم فقد علقوا بحبائل عالم فظائعه مُرصعة بالذهب.....

 

أستطاع كل منهم أخيراً أن يهزم أشباحه..

القفز بنجاح فوق حواجز نفسية أفتراضية خلقتها الظروف علي مر السنين الأخيرة...

يستطيع كل منهم أن يلقي خطاب النصر علي مسامع حاملي الرايات الملكية خارج القصر...

وسيدرك الجميع فيما بعد رواية كل منهم مع ليونيل لوج الخاص بهم...

 

ربما هو لن يري أفتتاحية الـ  “A Bola” وقت تحقيقه الثنائية مع بورتو تتكرر فوق صفحات الأهرام في اليوم التالي..

بالتأكيد لن يشغل يوماً مساحة علي جدران زامورا كجرافيتي قاتم اللون...

لكنه سيكتفي بشهادة لاعبيه كما أعتاد طيلة حياته..

فلم يكن مُقدر لليونيل لوج قط أن يراه أحد فوق شرفة الباكينجهام...

 

بينما تقترب سيارته من وجهتها النهائية يقاطعه هاتفه معلناً وصول رسالة نصية جديدة..

ليس رقم زوجته كما كان ينتظر بل من مجهول أستطاع الوصول لرقمه الخاص بطريقة أو بأخري..

"سأظل ما حييت ممتناً لك , فأنت من أستطاع أن يعدينا الي حيث ننتمي, شكراً جيزفالدو"....

 

 

 

عمرو جمال 

 






Read 47615 times Last modified on الجمعة, 25 أيلول/سبتمبر 2015 07:44

المباريات المقبلة

zamalek.tv

Connet With Us

اتصل بنا

Tel: 00201001230617

Email: عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

Website: http://www.zamalek.tv

 

Our Sponsors